بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل
صدر فجر يوم السبت 12/8/2006م قرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي طال انتظاره والذي انشغلت بصدوره الأطراف الرئيسية في الأزمة بعد مضي شهر تمامًا على تدمير إسرائيل للبنان طوال هذه المدة، وهي الولايات المتحدة وفرنسا والوفد الوزاري العربي بالإضافةِ إلى الكيان الصهيوني ولبنان وعلى بعد خطوات روسيا.. سبق هذا القرار مشروعٌ أمريكي فرنسي تمَّ تداوله بين الأطراف المختلفة، وكان واضحًا منذ البداية التناقض بين الخط الأمريكي الصهيوني من ناحية وبين الخط اللبناني العربي الفرنسي الروسي من ناحية أخرى.
فالخط الأمريكي يصرُّ على أن حزب الله قد اعتدى على الكيان الصهيوني وأنه حزبٌ إرهابي ولولاه لكان لبنان يعيش في سلامٍ ووئامٍ مع الكيان الصهيوني، وأن الكيان الصهيوني لا بد أن يقوم بعمليةٍ جراحيةٍ كاملةٍ لإخراج الروح الشريرة من الجسدِ اللبناني الطاهر، وهذا الهدف النبيل يبرر لها كل الجرائم التي ارتكبتها في لبنان؛ ولذلك فإنَّ وقفَ إطلاق النار قبل أن يتم الكيان الصهيوني هذه العملية الجراحية سوف يضر بالسلام الدائم المنشود بين لبنان والكيان الصهيوني خاصةً وأن واشنطن تعتقد أن خطف حزب الله للجنديين الصهيونيين هو إعلان حرب على حليفتها (إسرائيل)، وأن الحزب ينوبه عن إيران وسوريا في ذلك أو على الأقل اعتقدت واشنطن أن تصرف الحزب هو استباقٌ للصراع المحتمل بين إيران والولايات المتحدة.. في ضوء هذا الموقف تمَّت صياغة مشروع القرار الأمريكي الفرنسي قبل تعديله الموهوم.
على الجانبِ الآخر بلورت الحكومة اللبنانية موقف القوة اللبنانية المختلفة بما في ذلك حزب الله، ثم ساندت الجامعة العربية في اجتماع وزراء الخارجية في بيروت هذا الموقف بما في ذلك الملاحظات والتحفظات التي سجلها الجانب اللبناني على المشروع.
ومن الواضح أن تقييم قرار مجلس الأمن 1701 يجب أن يستند إلى عوامل ثلاثة، أولها هو الموقف العربي واللبناني الذي تعبر عنه النقاط السبع الواردة في وثيقة الحكومة اللبنانية، والعامل الثاني هو مشروع القرار الأمريكي الفرنسي، وأما العامل الثالث فهو مدى الاقتراب أو الابتعاد في صيغة القرار عن هذين القطبين الرئيسيين: الموقف الأمريكي الصهيوني، والموقف اللبناني العربي.
ومن المعروف أن الموقف العربي كان يركز على الوقف الفوري لإطلاقِ النار على أساس أن العالم كله يعلم أن وقف إطلاق النار هو وقف للجرائم الصهيونية وأن تعطيل وقف إطلاق النار يعني تشجيع الكيان الصهيوني على المزيد من هذه الجرائم، ويمكن تسوية كافة القضايا المعلقة بعد ذلك.. تريد واشنطن والكيان الصهيوني أن يتم إبرام التسوية وفقًا لشروط التسوية وبما يضمن التخلص تمامًا من حزب الله، وأن يتم ذلك كله تحت النيران الكثيفة، وقد لُوحظ أن الكيان الصهيوني قد استعد لشهرٍ آخر من العملياتِ البرية ولكن فوجئ الجميع كما لو أن الكيان الصهيوني هو الذي يسعى إلى وقفِ إطلاق النار في ضوءِ فشل حملتها البرية وانكشاف عقيدتها القتالية وفشل نظرية الأمن التي ظلت تعتمد على قوتها التي لا تقهر.. كان واضحًا أيضًا أن صمود حزب الله بشكل معجز وتكبيده الكيان الصهيوني خسائر فادحة وجسارته في مهاجمة المدن الصهيونية والمراكز العسكرية قد أحدث أزمةً طاحنةً بين أطراف متعددة هي الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، والقيادة العسكرية بين صفوفها، وبين القيادة العسكرية والقيادة السياسية.
ورغم ذلك كله فقد أعطى الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ومعهما فرنسا الانطباعَ بأن القرار الجديد يعكس هذه الحقائق الميدانية، ولكنهم في الواقع جميعًا أخرجوا قرارًا لا يختلف اختلافًا جوهريًّا عن مشروع القرار السابق لأنه بُني على تحقيقِ هدفٍ واحدٍ وهو حصول الكيان الصهيوني على ما عجزت عن الحصول عليه بالقوة المسلحة.
وقد اتسم القرار بعددٍ من الخصائص الخطيرة أولها أنه حمَّل حزب الله المسئولية الكاملة عمَّا حل بلبنان من دمار وخراب على أساس أنَّ الحزبَ وفق للقرار هو الذي قام بما تسبب فيما قام به الكيان الصهيوني وهو ما أسماه هجوم الحزب على الكيان الصهيوني يوم 12/7/2006م؛ أي خطف الجنديين، ولذلك انتهى القرار إلى ضرورة إطلاق سراح الجنديين المخطوفين دون شروط، أما الأسرى اللبنانيون فقد طالب بتشجيع الجهود الرامية إلى تسوية قضيتهم.
من ناحية ثانية أعلن القرار أن المجلس مصممٌ على أن يحدث الانسحاب الصهيوني بأسرع ما يمكن دون أن يحدد موعدًا أو أن يربط بين وقف القتال وبين الانسحاب، ومن ناحية ثالثة، فأنه بالنسبة لمزارع شبعا فإن موقف القرار كان أسوأ من موقف المشروع؛ حيث اكتفى القرار بأن أخذ علمًا لمقترحات لبنان ذات النقاط السبع، ومن ناحية رابعة، فإنَّ القرارَ ركَّز تركيزًا خاصًّا على قيام الحكومة اللبنانية والقوى الدولية بتنفيذ هذا القرار ومساعدة الحكومة على تنفيذ القرارين 1559 أي نزع سلاح حزب الله والقرار 1680 الذي ينص على التخطيط الجبري للحدود السورية اللبنانية وعلى الإنشاء الجبري للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وقد سبق أن أوضحنا في مناسباتٍ سابقةٍ أن كلا القرارين ينتقصان من السيادة لكلٍّ من لبنان وسوريا ويتناقضان مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة، وعن القرار بشكلٍ خاصٍّ بالتأكيد على الاحترام التام للخط الأزرق في إشارةٍ إلى منع العدوان في المستقبل على الكيان الصهيوني؛ لأن القرار ركَّز على فرضيةِ وهي أن الكيان الصهيوني تعرَّض كعادته للعدوان من جانب لبنان هذه المرة، على أساس أن (إسرائيل) هي الدولة الضعيفة المعرضة للعدوان من الدول العربية وتحتاج إلى حماية وتعاطف الجميع!!، وأكد القرار من ناحيةٍ خامسة على تعقب حزب الله ووضع الجنوب تحت إشراف الدولة اللبنانية، أما القوى الدولية فقد أشار القرار من ناحية سادسة إلى أنه سوف يتم تكليفها بعددٍ من المهام وهي كما أشارت الفقرة رقم 11 مهام ستة وهي مراقبة وقف القتال، مصاحبة ومساندة القوات اللبنانية وهي تنتشر في الجنوب وتنسيق الأنشطة المتصلة بهذا الانتشار مع كلٍّ من الحكومةِ اللبنانية والكيان الصهيوني والمساعدة في تقديم المعونة الإنسانية والعودة السالمة للنازحين ومساعدة القوات اللبنانية في إنشاء منطقة في الجنوب لمراقبة الحدود ونقاط الدخول لمنع تهريب الأسلحة، وفرض القرار حظرًا شاملاً على حزب الله في مجال الأسلحة والتدريب وغيرهما، وألزم بهذا الحظر الدول والأفراد ووعد القرار بأن يُوسِّع صلاحياتِ القوى الدولية لكي تنفذ وقفًا دائمًا لإطلاق النار وحلاًّ طويل الأجل.
من الواضح أن القرارَ يُراهن على حربٍ أهليةٍ بين حزب الله والحكومة اللبنانية والجيش اللبناني؛ لأن حزب الله كان قد وافق على خطةِ الحكومةِ على أساس أن يتم الانسحاب الصهيوني قبل وقف إطلاق النار، وأن يتم تسوية مسألة حزب الله وسلاحه في إطارٍ لبناني، كما أن القرار أعفى الكيان الصهيوني من جريمة تدمير لبنان وألصقها بحزب الله وجنَّد الجميع لمطاردته.