بقلم: حمدي عبد العزيز*

أوردت صحيفة نهضة مصر (الأربعاء 9 أغسطس) خبرًا في الصفحة الأولى بعنوان: (تحالف مفاجئ بين الإخوان والحكومة لمنع إلغاء خانة الديانة).. يُذكر أن الإخوان تحالفوا مع الحكومة في ورشة العمل التي أقامها المجلس القومي لحقوق الإنسان بفندق كونراد الثلاثاء 8 أغسطس لمناقشةِ مقترح حذف خانة الديانة من بطاقة الرقم القومي.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن حمدي عبد العزيز ممثل سواسية- الذي وصفته بأنه أحد المنتمين للإخوان- هاجم التيار العلماني الداعي إلى حذف خانة الديانة بالقول إنه يهدف إلى إجراء تغييرات فوقية على المجتمع.

 

ولذلك لزم التوضيح التالي:

* إن الزميل الصحفي أقام علاقةً بيني وبين المركز من جهة وبين الإخوان المسلمين من جهة أخرى بالقول إنني: (أحد المنتمين للإخوان) رغم أن أيًّا من أصحاب المرجعية الإسلامية أو المنتمين إلى المدرسة الفكرية للإخوان في المجتمع المدني المصري ليس شرطًا أن يكونوا منتمين لها، كما اقتطع بعض الجمل من الفقرة الأخيرة في ورقة المركز المقدمة للورشة والتي تشير أيضًا أن هذه التغييرات لا تؤدِّي إلى الإصلاح السياسي أو تغيير الوضع الاستبدادي القائم.

 

* إن المركز يرحِّب بالعمل مع جميع المنظمات الحقوقية التي تنتمي لمدارسَ فكرية مختلفة؛ من أجل تعزيز حقوق الإنسان في مصر، وبالنسبة لما جاء في الورقة فإنها أكدت على حق كل تيار في الإيمان بما يراه من أفكار، ولكن دون فرضه على الشعب؛ إذ لا بد من الرجوع للشعب في اتخاذ أي قرارات.

 

* كذلك يهتم المركز بقضايا مواطنة الأقباط، وتقريب وجهات النظر بين الإسلاميين كمواطنين لهم مشروع سياسي معين والأقباط كمواطنين لهم مطالب تتعلق بالحريات الدينية وتكافؤ الفرص، وأمام الأصوات المرتفعة في الورشة التي تتحدث عن مظالم للأقباط قام المركز بمداخلة تؤكد أن الأغلبية لها مظالمُ سياسيةٌ واقتصاديةٌ مثل أن الأقلية لها مظالمُ دينية واجتماعية.

 

* أشارت مداخلة المركز في الورشة إلى أن هناك فريقًا من الأقباط- وليس كل الأقباط- إضافةً إلى فريق آخر ذي اتجاه علماني وفريقٍ أخير حقوقي يتبنون مطلب حذف خانة الديانة من البطاقة الشخصية؛ حتى لا تستخدم كأساس للتمييز ضدَّ المواطنين الأقباط، وأنهم في سياقِ مطالبهم تلك يحذِّرون مما يُسمى (الأصولية الوصولية)، كما يطلقون على الحركة الإسلامية، التي تشكل خطرًا على مفهوم وقيم المواطنة، رغم أن "التدين" أصبح ظاهرةً عالميةً يبحث الناس من خلالها عن سعادةِ النفس، وليس أمرًا خطيرًا أو سيئًا في حدِّ ذاته، ولكنه ظاهرةٌ تحتاج إلى ترشيد، وليس منع من جانب هؤلاء أو تأميم من قبل الدولة.

 

وأضافت أن موقف أصحاب المرجعية الإسلامية في المجتمع المدني المصري ينقسم إلى ثلاثة آراء: الأول: يقول بأن حذف خانة الديانة يرتبط (بالسياسة الشرعية) وليس بـ(الأحكام الشرعية)، فإذا رأت الدولة مصلحةً في ذلك يمكنها حذفها؛ لأنه لا يقع في نطاق الحلال والحرام.

 

الثاني: يؤكد على إبقاء خانة الديانة لما يترتب عنها من أمور قانونية واجتماعية ويرفض إثبات غير المسلم انطلاقًا من الدفاع عن (النموذج العقيدي) للدولة، والذي يظهر في المادة الثانية للدستور (الشريعة المصدر الرئيس للتشريع).

 

الثالث: يرى إبقاء خانة الديانة مع إثبات البهائي أو أي مذهب غير العقائد السماوية؛ من أجل تميزه دينيًّا عن المسلم والقبطي واليهودي.

 

وبالنسبة لرؤية مركز سواسية لحقوق الإنسان فإننا نرى أن هذه الخانة مطلوبةٌ في حالات الزواج وإثبات النسب وقضايا الأحوال الشخصية والمواريث، وبالتالي إذا أُلغيت ستؤدِّي إلى إشكاليات تخص الأسرة وكذلك اختلاط في الزواج، وهو أمرٌ لا يرضي عنه المسلم والقبطي في مجتمع متدين.

 

ويقترح المركز إما، أولاً: إبقاء الوضع على ما هو عليه، على اعتبار أن التميز- لا التمييز- لا يترتب عليه أي امتيازات لفرقة معينة في الحياة الدنيا، أو احتقار دين معين وسخرية من أتباعه، ولكن حتى تستقيم المعاملات والحقوق.

 

أو ثانيًا: إصدار بطاقة الرقم القومي بدون خانة الديانة مع إصدار بطاقة أخرى تحتوي عليها من أجل التعامل بها في الزواج والمواريث والأحوال الشخصية، وهو أمرٌ معقد.

 

ولكن مركز سواسية لحقوق الإنسان يفضل طريقًا آخر وشاقًّا لكنَّه يؤدِّي إلى نتائجَ مضمونةٍ، ويتمثَّل في العملِ المتواصلِ من جانب منظَّمات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية من أجل معالجة أسباب التوترات الطائفية والمطالبة بالمشاركة السياسية للأغلبية والأقلية على السواء بما يسهم في تحقيق قيم المواطنة على أرض الواقع وكفالة الحريات العامة والفردية.

 

واعتبرت المداخلة أن التيارات الحقوقية والعلمانية لها الحرية الكاملة في تبنِّي أجندة تابعة من خلفيتها الفكرية لكنَّها في نفس الوقت مطالبة بعدم فرض هذه الأجندة على الأغلبية تحت زعم إلغاء كل أشكال التمييز في المجتمع، وأن المشكلةَ ليست في خانةِ الديانة أو حتى في التعصب وعدم التسامح الذي يولِّد شعورًا بالتهديدِ المتبادلِ بين الأغلبية والأقلية، وإنما في أزمة المشاركة السياسية وأزمة المواطنة وغياب المشروع السياسي الذي يعمل من أجله الجميع.

 

وختامًا أودُّ التأكيد على حقيقة هي: أن أدبيات أصحاب المرجعية الإسلامية تقبل بموضوع المواطنة بالمعنى الحديث وبمبادئ المشاركة والمساواة بين الأقباط والمسلمين في هذا البلد، وهذه ضمانة فكرية تضاف إلى الضمانة العقيدية المتمثلة في أوامر الأصول المنزلة بالبرِّ والقسط إلى أهل الكتاب والتي تؤدِّي إلى الامتزاج معهم، مع احتفاظ كلِّ طرف بعقيدتِه، فلا يطالب مسلم بالتخلِّي عن مرجعيته الإسلامية من أجل أنه يمتزج، إنما يدخل الجماعة الوطنية وهو في الإسلام، وكذلك يفعل القبطي وهو في المسيحية.

-----------

* صحفي وباحث سياسي