بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل

أعلن مؤتمر وزراء الخارجية العرب الطارئ في بيروت يوم 7/8/2006م أنه كلَّف الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بالإعداد لعقد قمةٍ عربيةٍ عاجلةٍ اقترحتها المملكةُ العربيةُ السعوديةُ في مكةَ المكرمة.

 

ولا شكَّ أن التطوراتِ المتلاحقةَ في الساحةِ اللبنانية تُحْدِثُ ارتباكًا شديدًا في تقييم الأوضاع، خاصةً وأن العالم العربي يسابق الزمن لوقف العدوان الصهيوني المدمِّر على لبنان.

 

ولعل أبرز ملامح هذه التطورات وركائزها هو إصرار "إسرائيل" على المزيد من الدمار للبنان، ومحاولة فرض قرار من مجلس الأمن يعكس الرغبات الصهيونية يقابله إصرارٌ لبناني سياسي وعسكري على الصمود وعلى استصدار قرار من المجلس يكون أساسًا سليمًا لتسوية حقيقية للأزمة اللبنانية، ولا شك أيضًا أن هناك سباقًا بين هذين العاملين؛ فالعامل الصهيوني يريد أن يفرض واقعًا على الأرض من الناحية العسكرية، وبالتوازي تسعى "إسرائيل" إلى فَرْضِ واقعٍ سياسي يكفل دمار لبنان من خلال حربٍ أهليةٍ، بإدخال الثقل الدولي دعمًا لها وتأييدَ احتلالِها للأراضِ اللبنانية في الجنوبِ حتى تطمئن إلى انتزاع حزب الله من معادلة القوة اللبنانية في مواجهة "إسرائيل".

 

أما العامل العربي فقد اقتصر على متابعة العمليات الصهيونية وما تحدثه من أعمال بربرية وآثار همجية باستخدام قوة طاغية عمياء والقلوب منفطرة والدموع منهمرة من موقع العاجز اليائس، وجموع عربية وإسلامية وعالمية استفزتها المشاهد المؤلمة، كما اقتصر الاهتمام العربي على متابعة عمليات حزب الله بشعور لا يخفى بالفخر، ولكنَّ الدموعَ وشعور الفخر لا يؤثران على معادلة القوة التي تُظْهِرُ طغيانَ القوةِ الصهيونية وجسارةِ الصمود اللبناني الذي أخرس ألسنة الساسة ورجال الدين ممن أعمتهم الحقائق وضلوا عن رؤية الحق، فالتمسوا الموضوعية في التزام موقف المشاهد المحايد، كذلك ثار التساؤل حول مدى جدية العالم العربي في معالجة الموقف اللبناني.

 

وقد حاول الكثيرون تفسيرَ الصحوةِ العربيةِ الرسمية المفاجئة والتساؤل حول التوقيت والمغزى والدلالة والأهمية بالنسبة لمجرى الصراع الدامي الذي شاهده العالم العربي، وكأن الصراع يدور في منطقة أخرى من العالم، مشاهدة أقرب إلى متابعة مباريات كأس العالم.

 

في ضوء هذه الظروف والتطورات جاء الإعلان المتدرج والخجل عن النية في عقدِ قمةٍ عربيةٍ عاجلة من جانب اليمن، ولكن الدعوى إلى عقدها لم تلقَ إجماعًا عربيًّا عليها، فسحب اليمن دعوته إلى القمة، ويهمنا في هذه المقالة أن نلقى المزيد من الضوء على القمة المقترحة، لعلها تفيد الحاكم والمحكوم في العالم العربي في النظر إلى هذه القمة.

 

ليس كشفًا أو إذاعةً لسرٍّ أن نقرِّرَ أن إحباطَ الشارع العربي بلغ غايتَه بل أصبحَ يستشعر الحذرَ والتحسب من أي مبادرة رسمية؛ لأن السوابقَ أقنعت المواطنَ العربي أن النظامَ العربي الرسمي قد استسلم لقدره، وأن النظم العربية قد أعلنت عن عجزها وقلة حيلتها فرادى وجماعة، وأصبح المواطن يشفق على أي اقتراح رسمي بعد أن رأى بنفسه فشلَ القممِ السابقة في معالجة أصل الداء، كما رأى فشل محاولة عقد قمة سابقة في بداية الأزمة، فالوفد العربي في نيويورك والذي حضر أولى جلسات التشاور في مجلس الأمن مساء يوم 8/8 /2006م يفاوض ويحاول الإقناع بالموقف اللبناني العربي، والولايات المتحدة مصرةٌ على صدور القرار بحالتِه الراهنةِ التي فصلت على مقاس الطلبات الصهيونية، مما يدفع إلى الاعتقاد- بحق - أن مشروع القرار لم يخرجْ عن الأفكارِ والمواقف الصهيونية، ولم نكدْ نلمح في هذا المشروع أية مراعاة للموقف اللبناني العادل.

 

يدرك العالم العربي أيضًا أن قدرة الوفد، مهما أوتي من البلاغة ومهما ساق من اعتبارات، لا يمكن أن تنقل الولايات المتحدة من موقفها الحالي إلى الموقف العربي، وأن الأرجح هو أن واشنطن مصرةٌ على موقفها.

 

في هذه الحالة إذا عقدت القمة بعد صدور قرار مجلس الأمن، وهو الأرجح بالطبع فإنها سوف تواجه بأحد احتمالين: إما أن قرار مجلس الأمن يصدر دون تعديل يراعي الموقف اللبناني والعربي، أو أن يتمَّ تعديله بشكل طفيف لا يلبي الاحتياجات الأساسية للبنان، وأهمها وأولها الوقف الفوري لأعمال الإبادة الصهيونية التي يعتبر الجدل حول مشروع القرار مفيدًا لها كسبًا للوقت وإمهالاً لإنهاء مهمتها، وهي أن يكونَ لها موطئ قدم في جنوب لبنان لتصوره على أنه أهم إنجازاتها العسكرية التي يجب أن تترجم إلى مكاسب سياسية.

 

وفي هذه الحالة فإنَّ القمةَ تكون بين أمرَيْن: إذا كانت القمة هي مجرد تعبير شكلي عن التضامن مع لبنان، فإن هذه المهمة قام بها وزراء الخارجية، وتكون المبالغة فيها دون أن تكونَ هناك فعالية عربية مدعاة للإحباط والتسليم بالموت الرسمي للعالم العربي، وتكون تلك هي آخر القمم العربية في هذه المرحلة، وإما أن تكون القمة بالفعل مستعدةً للتصدِّي لمجتمع دولي ظالم يقوده مجلس الأمن، وعليها أن تراجع أوراق الضغط عند دولها في اختبار الأقدار والإرادة العربية.. في الحالة الأولى أي أن تكون القمة لمجرد إظهار التضامن الذي ظل شكليًّا لا يؤثر على الواقع على الأرض، فإن عدم عقدها فيه حفظ لماء الوجه بدلاً من المزيد بإراقتِه ومهما حاولت أجهزة الإعلام الرسمية أن تروج للقمة ونتائجها والتركيز كما حدث من قبل على أن مجرد عقدها كسب كبير لمؤسسة القمة، لأنَّ الشك في القمةِ لدى الرأي العام العربي وصل إلى درجة مفزعة وأصبح الشك في كفاءتها وجدواها أهونَ من الشكِّ في إخلاصها للقضايا العربية.

 

أما إذا كانت القمة جاهزةً منذ الآن بأوراقِ تواجه بها التحدي والاستخفاف بالعالم العربي ودمج المصلحة اللبنانية بلحمة المصلحة العربية العليا، خاصةً وأن الدمارَ الصهيونيَّ وبربريته ظاهرةٌ للعيان وليس بحاجة إلى إثبات، فإن القمةَ سوف تجد دعمًا شعبيًّا وتلاحمًا جماهريًّا يتلهف عليه الشارع العربي الذي يفتح ذراعيه كل يوم لحكامه لعلهم يرجعون، وقد يغري ذلك الحالمين بأحلام اليقظة من أمثالي حفظًا للبقاء بأن يظنوا أن العالم العربي الذي ظل مستباحًا قرابة عقدين قد بدأ يصرُّ على دور له كلاعب أساسي في قضاياه، مما يكسبه تعاطف العالم كله، خاصةً وأن صحوتَه هي لردِّ الاعتبار وتعديل الكفة وإعادة إثبات وجوده.

 

في هذا المناخ يمكن أن نتحدَّثَ عن علاقاتٍ عربيةٍ خارجيةٍ، وسوف تعجز "إسرائيل" والولايات المتحدة عن الوقوف أمام هذا المارد الذي أفاق من التخدير وسوف يكتشف العالم العربي الرهانات الجديدة والحلفاء الجدد الذين يقبلون عليه، ليس بالضرورة حبًّا فيه ولكن بالقطع سعيًا نحو تحقيق مصالحهم معهم.

 

وأرجو ألا تكونَ تصريحات بعض الزعماء العرب عن مخاطر المقاطعة العربية وتصوير الأمر على أن اتخاذ مواقف جادة على أنها حماقة سياسية أو مغامرة في عالم الحساب والرياضيات مقدمة للإعلان عن عجز عربي جديد.

 

خلاصة القول إن الإعلان عن القمةِ العربية ما لم تقترن برغبة حقيقية في استعادة الدور العربي والتصدي لإذلال العالم العربي وإنهاء شرذمة المواقف العربية، فإن عقدها قد يضيفها إلى سجلِّ القمم الفاشلة التي تقضي على القليل مما لدى الشارع العربي من أمل في الإحياء العربي.

 

وأظن أن المشاورات لعقد القمة والإعداد لانعقادها يجب أن يركِّزَ على هذه الحقائق، ومن الأشرف للعالم العربي أن يحجم عن عقدها، لأنَّ أثرَ فشلِها لا يقف عند حدِّ تعميق الهوةِ السحيقة أصلاً بين الشارع والنظم العربية؛ ولكنَّ فشلها سوى يغري "إسرائيل" بالمزيد من التوحش والعربدة في المنطقة.

 

وأخيرًا إذا كان سكوت العالم العربي قد أغرى الصهاينة بتدمير لبنان كما رأينا، وكما اعترف الساسة الصهاينة أنفسهم، فإن فشلَ القمة سوف تفهمه "إسرائيل" على أنه ضوءٌ أخضرُ بعبث جديد في الساحة اللبنانية، حتى تقضي تمامًا على مقومات الدولة اللبنانية فتسقط لبنان من قائمة أعضاء الجامعة العربية، بل الأخطر هو أن عجز العرب عن إنقاذ لبنان سوف يفتح الباب للقوى الأخرى الأقدر على إنقاذه.