بقلم: د. رفيق حبيب
بالنظر إلى أحداث قانا الثانية، نستدعي ذاكرتنا عن تاريخ عصابات صهيون في فلسطين والأراضي المحتلة في سوريا ولبنان ومصر، ونتذكر كم من المجازر ارتُكبت على يد هذه العصابات، قبل عام 1948م وبعدها.
فالمجزرة ليست أول عملٍ إجرامي للصهاينة، ولن تكون الأخيرة، فتاريخهم في بلادنا هو سلسلة من المجازر والأعمال الهمجية، حتى بات قتل الأطفال عملاً أساسيًّا في كل هجومٍ صهيوني.
والمجازر التي ارتُكبت عبر أكثر من نصفِ قرن، تؤكد أننا أمام عصاباتٍ إجرامية، لا تعترف بأي قواعد دولية، ولا تعترف بالقانون الدولي، وتمارس الإجرام في فترات الحرب، كما تمارسه في فترات الهدنة أو التهدئة.
إننا أمام عصابات إجرامية، تحوَّلت في عام 1948م إلى جيشٍ نظامي، وتحول الجيش إلى دولة، والدولة "الإسرائيلية" ليست دولة بالمعنى المتعارف عليه، ولكنها إطار مؤسسي لجيش احتلال، والجيش إطار مؤسسي للعصابات الصهيونية الإجرامية، تلك هي الصورة الحقيقية للكيان الذي نتعامل معه، عبر تلك السلسلة الطويلة من الحروب والاجتياح والعدوان، فالناظر إلى مشاهد الدمار في لبنان، وذلك الهجوم الإجرامي على المدنيين والبنية التحتية والمساكن والمستشفيات وعربات الإسعاف والمراسلين الإعلاميين، يرسم مشهدًا لحجم التعدي على كل المعايير الدولية والإنسانية.
وأيًّا كانت المبررات أو الأعذار، فما يحدث في لبنان اليوم، وما حدث فيها في الماضي، وما حدث في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن، هي عمليات إبادة بالمعنى الدقيق للكلمة، فعصابات صهيون تبيد الشعوب العربية، حتى تؤمن احتلالها للأرض، لتفوز بما اغتصبته، والمشهد اللبناني نموذج لأبشع جرائم حرب تُرتكب في القرن الحادي والعشرين، وهي تعد واقعةً تاريخيةً مركزية، سوف تحدد مسار الاحتلال الصهيوني في المستقبل، ففي لبنان يُدمَّر كل شيء، الأرض والشعب والدولة، والكيان الصهيوني يرى أن ذلك مبررًا، وأنه من حقه، ويدعي أنه يدافع عن نفسه، وكأنه يرى أنَّ مَن حقه إبادة دولة وشعبها، ما دام هذا جزء من تصوره عن أمنه.
وتلك الأفعال تجعلنا ننظر إلى مستقبل هذا الكيان الصهيوني أو دولة العصابات في المنطقة العربية، فأي مستقبلٍ يمكن أن يكون لهذا الكيان ووجوده مُعادٍ لوجودِ دولٍ عربيةٍ مستقلة وقوية! الواقع يؤكد أننا بصدد عدوٍّ يريد أن يفرض شروطه ويفوز بعدوانه وما احتله من الأراضي، دون أي مقاومة، فالدول والشعوب العربية وحركات المقاومة، مخيرة بين مواجهة آلة التدمير الصهيونية، وبين الرضوخ لقوى العدوان، وتلك هي رسالة الحرب على لبنان، فإما أن يرضخ الشعب اللبناني ويستسلم، ويفرض الرضوخ والاستسلام على المقاومة اللبنانية، أو تدمر لبنان بكاملها.
والملاحظ أن عصابات صهيون كلما فشلت في مواجهة المقاومة الإسلامية في لبنان، عمدت إلى المزيد من التدمير والوحشية، بل نقول الهمجية، وهي بهذا تحرق الأرض وما عليها، على أساس أن هذا الفعل يحرق المقاومة ضمنًا.
وهذا التدمير الشامل، يؤكد أننا بصدد عصابات عنصرية، لا ترى في الآخر، إلا شيئًا يمكن تدميره، ولا تتعامل معه على أساس المساواة في الإنسانية، وتلك في تصورنا مسألة مركزية، ستحدد مصير الكيان الصهيوني، فإذا كان الصهاينة يرون أن العرب أقل شأنًا منهم، وأنهم ليسوا على نفس القدر والدرجة مثل إنسان العصابات الصهيونية، وإذا كانوا يرون أن الصهيوني أو اليهودي إنسانٌ متقدمٌ وراقٍ عن شعوبِ المنطقة، فمعنى ذلك أنهم يستبيحون الإنسانَ العربيَّ والمسلمَ، ويستبيحون أرضه وحياته، وتلك النظرة العنصرية هي المفسر الوحيد لما تقوم به عصابات الدولة الصهيونية من مجازر بحقِّ شعوبنا العربية.
وكيف لنا أن نتصور إذن، أن هناك مجالاً للحل السلمي، فالحلول السلمية تعتمد أساسًا على إرجاع كل حقٍّ لصاحبه، ثم التعايش بين الدولة المجاورة على أساسٍ من الندية والمساواة وعدم الاعتداء، والكيان الصهيوني غير مؤهل لمثل تلك الحالة، بل هو يريد أن يكون السيد، وتصبح كل الدول المحيطة به عبيد، ويريد إرجاع جزءٍ من الأرض التي احتلها، والاحتفاظ بباقي الأرض، كما أنه لا يسلم للعرب بأي حقوق أساسًا لدرجة أن الخطاب الرسمي للكيان الصهيوني، يؤكد دائمًا أنه في حالةِ دفاعٍ عن النفس، وكأنَّ العرب هم الذين جاءوا من مختلفِ أرجاء العالم واستوطنوا بجوارهم!
والأمر لا يقف عند دولة العصابة الصهيونية، بل يتعدى ذلك لمواقف غربية مساندة ومؤيدة، بدرجات مختلفة، ثم موقف أمريكي مؤيد دائمًا، فموقف الإدارة الأمريكية المؤيد لإطالة الحرب وتأجيل وقف إطلاق النار، هو موقف مؤيد لتدمير لبنان وشعبها ودولتها، وهو ما يؤكد على النظرة الدونية الموجهة تجاه العرب عمومًا، حتى من الإدارة الأمريكية، والتي تُعبِّر عن عنصرية غربية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، تلك العنصرية التي زرعت الكيان الصهيوني في بلادنا، فجاء مشروعًا عنصريًّا واستعماريًّا.. نعم تلك المجازر تؤكد أننا بصدد مواقف عنصرية غربية، خاصةً من الإدارة الأمريكية، وأننا بصدد عصاباتٍ عنصريةٍ تشكَّلت في مؤسسةٍ سُمِّيت دولة "إسرائيل".
وهنا نرى أن المقاومة في لبنان وفلسطين، تواجه بالفعل تلك العصابات، وتعرف حقيقتها.. فالمقاومة هي عمل من شأنه أن يوصل رسالة مضادة لكل المشاريع الصهيونية والأمريكية، رسالة مفادها أن الشعوب العربية والإسلامية لا تهزم، ولا تقبل الهزيمة، ولا تستسلم مهما كان الثمن، وتلك الرسالة هي الحقيقة الوحيدة في الصراع العربي الصهيوني؛ لأنها في نهايةِ الأمر رسالة الأمة إلى أعدائها، رسالة تؤكد قدرة الأمة على مواجهة ذلك العدوان ودحره.