السفير الدكتور/ عبد الله الأشعل
أعلن الكيان الصهيوني منذ استعداده للهجوم على لبنان- والذي اتضَّح أنه كان مبيَّتًا- أنه يقوم بهذا الهجوم تطبيقًا لحقِّ الدفاع الشرعي عن النفس، وأكد رئيس وزراء الكيان الصهيوني في بيانه أمام الكنيست يوم 17/7/2006م على نفسِ المعنى ولكنه أضاف أساسًا جديدًا للحملةِ العسكريةِ الجديدةِ على لبنان، وهو أن الكيان الصهيوني أصبح وكيلاً عن المجتمع الدولي في القضاءِ على حزب الله؛ باعتباره منظمةً إرهابيةً.
وأوضح الكيان الصهيوني أن حملته على حزبِ الله تتطلَّب ضربَ كل المنشآتِ اللبنانية حتى تحقق هدفها مع حزب الله، كما أكد الكيان أنه وكيلٌ عن المجتمع الدولي أيضًا في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1559 وخاصةً الجزء المتعلق منه، حسب التفسير الدولي، بنزع سلاح حزب الله وتأكيد سلطة الحكومة اللبنانية على الجنوب اللبناني، وإزالة مواقع حزب الله من هذه المنطقة حتى لا يستمر في ممارسة "عدوانه" على الكيان الصهيوني.
وقد أكد بيان قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى في روسيا يوم 16/7/2006م نفس الموقف الصهيوني وحق الكيان الصهيوني في الدفاع عن نفسه، وهو نفس الموقف الذي أكدته الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.
ويمكن أن نُضيف أن الموقف العربي الرسمي المتمثل في التصريحاتِ العربية وقرار وزراء خارجية الدول العربية يوم 15/7/2006م الذي ألقَى باللائمةِ على حزب الله- تعبيرًا عن غضبِ الجانب العربي من علاقةِ حزب الله بإيران- كان الأساس السياسي والقانوني للموقف الدولي؛ ولذلك يمكن القول بأن الموقفَ العربي يُقرُّ أيضًا حقَّ الدفاع الشرعي الصهيوني، ولكنه عبَّر عن استيائه من وحشيةِ الهجمات الصهيونية على لبنان.
من ناحيةٍ أخرى أصبح واضحًا وثابتًا في التصريحات والإعلام أن الكيان الصهيوني كانت لديه خطةٌ جاهزةٌ للقضاءِ على لبنان تحت عنوان القضاء على حزب الله، وأنه كان يتحيَّن الفرصةَ لتنفيذ هذه الخطة، ومن ثم فإنَّ العمليةَ التي قام بها حزب الله ضد المواقع العسكرية الصهيونية- والتي خُطف أثناءَها اثنان من الجنود الصهاينة- كانت مجرد ذريعة لكي ينفذ الكيان الصهيوني خطته المُعدَّة سلفًا.
ولكنَّ العالم كله- بما فيه العالم العربي- ترك هذه الحقائق وركَّز بدلاً من ذلك على ثلاثةِ أمورٍ تساند نظرية الدفاع الشرعي الصهيوني، أما هذه الأمور الثلاثة التي برزت وحدها للعالم فهي خطف حزب الله جنديين صهيونيين وتصوير هذا الخطف على أنه عملٌ إرهابيٌّ، رغم أن المخطوفين من الجنود، ونسي العالم- بما فيه العالم العربي- أن الكيان الصهيوني يخطف المواطنين العرب كل يومٍ من منازلهم؛ لأنهم يُعلنون رفضَهم للاحتلال الصهيوني، ونسي العالم أيضًا- الذي اجتمع قادته في روسيا في قمةِ الثماني- أن في السجون الصهيونية عشراتِ الآلاف من المخطوفين العرب الأسرى، كما تجاهل العالم خطفَ إسرائيل لمعظم مجلس وزراء السلطة الفلسطينية ونصف أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، ولم يتحدث عنهم أحدٌ؛ مما يعني بالنسبة للكيان الصهيوني أن خطفَهم مشروعٌ، بل إنَّ كل ما يقوم به الكيان الصهيوني مشروعٌ لسببٍ بسيطٍ، وهو أنها يملك القوة وأدوات القمع وهو الذي يصنع بهذه القوة القانون.
ورغم أن الكيان الصهيوني منذ نشأته رسميًّا عام 1948م وحتى الآن لا يعترف إلا بما تُمليه عليه غريزته الأمنية ويُبدي احتقارًا واضحًا للمؤتمر الدولي والأمم المتحدة، فإن الكيان الصهيوني نجح عن طريقِ القوة العسكرية من ناحية والتحالف التام مع الولايات المتحدة من ناحية أخرى بأن تضع نفسها تقليديًّا فوق القانون الدولي الذي يصنعه مجتمع الأمم، كما أنها وصلت إلى درجةٍ من الترف القانوني والسلوكي يمكِّنها من انتقاء القرارات والقواعد والتفسيرات والنظريات التي تتناسب مع خططها.
ولعل موقف الكيان الصهيوني في لبنان عام 2006م يُعتبر من المواقف النادرة في تفصيل الأهداف السياسية على مقاس القواعد القانونية الجديدة والتفسيرات المتعسِّفة، وقد يرى البعض أنه ما دام الكيان الصهيوني فوق القانون الدولي فإنه من العَبَث أن نُجهد أنفسَنا في بيان الانتهاكاتِ الصهيونية لهذا القانون؛ لأنه ببساطة لا يعترف بالمنظومة القانونية الدولية الحالية، كما أن الاجتهاد في بيانِ انتهاكات الكيان الصهيوني لكل قراراتِ مجلس الأمن وأحكام القانون الدولي سبَقَ أن سجَّلته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري، ولكننا نرى أنه من المهم في هذا المقام أن نُفنِّد النظرية الصهيونية وبشكلٍ أخص؛ لأن هذه النظرية لقيت مساندةً سياسيةً واسعةً دوليًّا وعربيًّا.
من ناحيةٍ ثالثة فإنَّ موقف الكيان الصهيوني قد بُني أيضًا على أساسٍ آخر، وهو أنه- في نظر الكيان الصهيوني والعالم- حدث الاشتباكُ مع الجيش الصهيوني في العملية التي قُتل وخُطف فيها بعضُ الجنود الصهاينة داخل الخط الأزرق، وهو ما أكدته بعثة المراقبة الدولية (يونيفيل).
وإذا كانت هذه الواقعة هي التي ركَّز عليها الموقفُ العربي والدولي لكي يخلص من هذا الموقف إلى التأكيد على حق الكيان الصهيوني في الدفاع الشرعي فإننا ورغم أن الكيان لا يهمه التحليل القانوني ولم يحدث يومًا أن احترم قاعدةً واحدةً من قواعد القانون الدولي، وأنه يقوم بشكلٍ منتظمٍ بالإغارةِ على جميع الأراضي اللبنانية، فضلاً عن أن احتلاله لمزارع شبعا يُعتبر عدوانًا دائمًا على الأرضِ والشعبِ في لبنان.. فإننا نناقش نظرية الكيان الصهيوني في الدفاعِ الشرعي على مستويَين: المستوى الأول هو النظرية العامة للكيان الصهيوني في الدفاع الشرعي، والمستوى الثاني هو ما إذا كان الكيان يمارس حقًّا في لبنان تطبيقًا لنظرية الدفاع الشرعي.
أما المستوى الأول من التحليل فمن المعروف أن الكيان الصهيوني طوَّر نظرية الدفاع الشرعي وتمسَّك بما يُسمَّى الدفاع الشرعي الوقائيAnticipatory Self Defense واجتهد الفقه الصهيوني في تأصيل هذه النظرية حتى يغطي التصرفاتِ العدوانية الصهيونية، ولكن الفقه الدولي يرفض هذه النظرية ويصرُّ على أن الدفاع الشرعي المعترف به هو ما تضمنته المادة 51 من ميثاقِ الأمم المتحدة، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية الجدار العازل عام 2004م عندما رفضت نظرية الدفاع الشرعي الصهيونية وألزمت الكيان الصهيوني بأحكام الميثاق.
أما في حالة لبنان فإن هجوم حزب الله على الجيش الصهيوني داخل الكيان هو جزءٌ من الرد على الاعتداءات الصهيونية المتكررة في إطار حالة الحرب القائمة بين لبنان والكيان الصهيوني، فالعملية في نظرنا، وإن تمَّت في الأراضي الصهيونية، فإنها تدخل في سياق الأفعال وردود الأفعال بين الكيان وحزب الله.
من ناحيةٍ أخرى فإن وجود خطة جاهزة صهيونية في تدمير لبنان- بحجةِ أن هذا التدمير هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على حزب الله، وهو في نظر الكيان الصهيوني منظمة إرهابية- لا يصمد أمام أي تحليلٍ قانوني؛ لأن المخططَ الجاهزَ للعدوان ينسف أي مفهومٍ للدفاع الشرعي.
وحتى يمكن أن نقيس سلوك الكيان الصهيوني على قواعدِ الدفاع الشرعي المقبولة في القانون الدولي المعاصر نشير إلى أن هناك ضوابطَ ثلاثة تحكم ممارسة حق الدفاع الشرعي وهي:
- الضابط الأول: أن يكون هناك هجوم مسلح من جانب دولة، وأن يكون الهجوم فعليًّا أو على وشكِ الوقوع، ومما يُذكَر أن محكمةَ العدلِ الدولية شدَّدت في قضية الجدار العازل على أن يكون الهجوم صادرًا من دولة وليس من منظمة أو جماعة، وهو ما ينسف أيضًا النظرية الصهيونية والأمريكية التي تؤصِّل لمكافحة الإرهابِ الدولي.
ولعلنا نلاحظ التناقض في الموقف الصهيوني، فقد أعلن الكيان الصهيوني منذ البداية أن الدولة اللبنانية هي المسئولة؛ وذلك حتى تستوفِيَ هذا الشرط من شروط الدفاع الشرعي.
ورغم أن لبنان رفض مسئوليته عمَّا قام به حزب الله فإن الكيان الصهيوني نفَّذ خطته التي أعدها مسبقًا، ولم يكترث لنفي الحكومة اللبنانية هذه المسئولية، كما أشار رئيس وزراء اللبنان في مؤتمره الصحفي يوم 16/7/2006م، ثم أعلن الكيان الصهيوني أنه لا يستهدف لبنان الدولة رغم أنه قطع أوصاله، وأنه يستهدف حزب الله، وأنه يأسف أن الدولة هي الضحية، ثم أعلن الكيان مرةً ثالثةً أنه لا يأسف على الدولة اللبنانية؛ لأن الكيان منحها فرصة كافية لكي تؤكد سلطتها على الجنوبِ اللبناني وتطرد حزب الله ولكنها لم تستفد من هذه الفرصة.
- الضابط الثاني: هو أن يكون الهجومَ المسلَّح الموجَّه من دولةٍ إلى دولةٍ أخرى مفاجئًا وغيرَ متوقع ولا يترك فرصةً للتدبر، ثم يجب أن يكون الرد بالقدر اللازم لرد الهجوم أو صده، أي التأكيد على شرط التناسب بين الهجوم وبين الرد عليه، ولسنا بحاجةٍ إلى أن نؤكد مرةً أخرى أنه إذا كان الكيان الصهيوني قد اتخذ هجومَ حزب الله ذريعةً لتنفيذ خطته ضد لبنان فإن شرط التناسب ليس واردًا، وقد قام الكيان الصهيوني بانتهاك كافة أحكام القانون الدولي الإنساني بالقتل العشوائي والقصف من البحر والجوّ لكل المنشآتِ الحكومية والسكنية، وقطع الجسور، وضرب مخازن المواد الغذائية، وتدمير محطات الكهرباء والمياه وسيارات الإسعاف والمستشفيات في عملية بربرية عمياء، وصفها رئيس وزراء لبنان وكذلك الرئيس الفرنسي جاك شيراك بأنها نيةٌ مدبَّرة لتدمير لبنان وإبادة سكانه.
وبصرفِ النظر عن اجتهاداتِ البعض في تفسير أسباب الحقد الصهيوني على لبنان أو في لوم حزب الله على العملية أصلاً وأهدافها وهي تحرير الرهائن العرب أو لومه على توقيتها، فإن المحقَّق أن شرط التناسب ليس متوفرًا وحلَّت محلَّه الوحشية الكاسرة.
- الضابط الثالث: أن يتم وقف الحق في الدفاع الشرعي بمجرد تولي مجلس الأمن ومعالجته، أو في أبسط التفسيرات إبلاغه بالهجوم؛ ولهذا السبب فإن مجلس الأمن يتلكأ؛ لأن اجتماعه سوف يعني وقف الحق في الدفاع الشرعي حتى لو افترضنا توفُّر ضوابطه الأخرى، وأصبح من الواضح أن هناك مؤامرةً دوليةً وعربيةً في تدمير لبنان وبعدها ترتفع الأصوات لوقف إطلاق النار.
وقد يرى البعض أن إطلاق حزب الله صواريخَه على المدن الصهيونية قد أعطى الكيان الحقَّ في الانتقام، ولكنَّ عدم التناسب الواضح بين مخطط تدمير لبنان من جانب الكيان الصهيوني وإطلاق صواريخ محدودة الأثر- ردًّا على الهجمات الصهيونية- يجعل حزب الله في موقفِ الدفاع عن النفس ولا يُسقط عن الكيان الصهيوني جرائم الحرب التي يرتكبها في لبنان.
أما ادعاء الكيان الصهيوني بأنه يُكافح الإرهاب الذي يهدده من داخل الأراضي اللبنانية، وأن قواعد مكافحة الإرهاب تخرج عن قواعد القانون الدولي المعاصر فهو يدخلها في إطار نظرية بوش المرفوضة دوليًّا والمعروفة باسم الضربة الاستباقية Preemption.
يتضح مما تقدم أن الكيان الصهيوني لا يمارِس في لبنان كما زعم وزعمت الدول الكبرى حقَّ الدفاع الشرعي، بل إنه يقوم في لبنان بارتكابِ عددٍ من جرائمِ الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وكلها من جرائم النظام العام الدولي.
والغريب أن الدول الكبرى مجمعةٌ على حقِّ الكيان الصهيوني في ارتكابِ هذه الجرائم؛ ولذلك يتم الخلط المقصود بين المطالبة بوقف إطلاق النار والمطالبة بوقف العدوان وجرائمه؛ لأن وقف إطلاقِ النار يعني الوقف المتبادل، وأما وقف العدوان فيعني وقف الجرائم الصهيونية التي تُؤدي إلى أن يُطلق حزبُ الله صواريخَه الرمزيةَ، والتي بالغ الكيانُ الصهيونيُّ في آثارها دوليًّا لتبرير جرائمها في لبنان.