بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل

تصر الولايات المتحدة على أن وقفَ إطلاق النار في لبنان يجب أن يرتبطَ بحلٍّ جذريٍّ للقضايا المتعلقة بلبنان، ومعلومٌ أن الاختلافَ في الأولويات بين واشنطن و"إسرائيل" من ناحية والعالم كله بما فيه العالم العربي من ناحية أخرى؛ حيث يطالب الموقفُ العربي والدولي العام بالوقف الفوري لإطلاقِ النار، ولكنْ  تُحرِّكه دوافعُ متباينة.

 

فالولايات المتحدة ترى أن استخدم القوة العسكرية الصهيونية هو السبيل الوحيد لتخليق شرق أوسط جديد، وأن وقف استخدام هذه القوة سيجهض عملية الولادة، وربما ظهر الوليد مشوَّهًا، ولذلك يجب إنضاج الظروف المناسبة لهذه الولادة السعيدة، تعبر الولايات المتحدة عن نفس الموقف بعبارات أخرى مثلما فعلت وزيرة الخارجية الأمريكية عندما أكدت أن وقف إطلاق النار يجب أن يتم بعد تهيئة الظروف لميلاد شرق أوسط جديد، وأن يكون الظرف مناسبًا لتطبيق قرار مجلس الأمن 1559، أي الشق المتعلق منه بنزع سلاح حزب الله.

 

من ناحية أخرى يطالب الاتحاد الأوروبي بوقف فوري لإطلاق النار وتسوية القضايا العالقة في الصراع العربي الصهيوني، وهذا هو نفس الموقف العربي.

 

أما ما هي ملامح هذا الحل الجذري فإنه يختلف عند "إسرائيل" والولايات المتحدة عنه عند الجانب العربي ثم اللبناني، فالجانب الأمريكي "الإسرائيلي" يرى أن الحل الجذري هو التمكين للقوة الصهيونية في المنطقة ولقدرتها على ردع المطالبين بحقوقهم، الحل الجذري الأمريكي هو نفسه صورة الشرق الأوسط الجديد، ولكن أسلوب تحقيق هذا الحل هو القوة الصهيونية التي تشارك الولايات المتحدة في دعمها وتقديم الغطاء المناسب لإطلاق يد "إسرائيل".

 

أما الجانب الأوروبي فالحل الجذري يعني أن عدم تسوية الصراع في فلسطين يؤدي إلى تداعيات من هذا النوع، ولذلك يجب تسوية هذا الصراع لتجنب مضاعفاته في المستقبل، ومن الواضح أن الموقف "الإسرائيلي" يريد تسكين المنطقة والقضاء على أي معارضة لخطتها في فلسطين، وأن يكون تنفيذ هذه الخطة بعد إخماد أصوات المقاومة والمعارضة حلاًّ نهائيًّا لا تعود بعده الأصوات المطالبة بالحقوق العربية، إلى الظهور مرةً أخرى وقد اقترح السيد نبيه بري حلاًّ جذريًّا يقوم على أساس الوقف الفوري للنار أولاً، وأن يُعقد مؤتمر دولي تناقَش فيه جميع قضايا المنطقة بمشاركة جميع الأطراف، على أساس أن هناك فرصةً بعد هذا الدمار للبنان، وأن جميع القضايا قد تم تدويلها، ويختلف موقف بري عن الموقف العربي في جانب واحد، وهو أن الموقف العربي يطالب بتنفيذ قرار مجلس الأمن 1559 فيما يتعلق ببسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، أي إبعاد حزب الله عن الجنوب ونزع سلاحه كقوة عسكرية، وربما أراد الموقف العربي بذلك أن يبعد لبنان عن دواعي المواجهة مع "إسرائيل" بسبب وجود حزب الله، أما أراضي لبنان المحتلة والتي يبرر احتلالها وجود حزب الله فهي في نظر الموقف العربي تلحق بمصير الأراضي العربية المحتلة الأخرى في فلسطين وسوريا، وربما تصوّر الموقف العربي أن جلاء "إسرائيل" عنها ممكن عندما تنفذ "إسرائيل" مبادرة السلام العربية.

 

 كذلك يؤيد الموقف العربي وجود قوات دولية في جنوب لبنان أقوى من القوات الحالية، وأن المفاوضات هي التي توضح التفاصيل، وعلى العكس تمامًا يرى نبيه بري أن سلاح حزب الله هو خط الدفاع الوحيد عن لبنان، وأن المطالبين بنشر الجيش اللبناني في الجنوب وهو غير مجهز للدفاع عن لبنان إنما يسهلون مهمةَ "إسرائيل" في اجتياح لبنان، كما يصرّ على أن القوة الدولية المقترحة يجب تحديد مهمتها، وأن تكون على جانبي الحدود "الإسرائيلية" اللبنانية، وأن يكون هدفها منع العدوان من أي من الطرفين، ولكن بعد جلاء الاحتلال الصهيوني عن مزارع شبعا.

 

بينما تستند فكرة القوات الدولية التي تقترحها "إسرائيل" وتطورها الولايات المتحدة وبريطانيا إلى هدف أساسي، وهو حماية "إسرائيل"، وأن تتمركز في جنوب لبنان فقط، وأن تمنع حزب الله من الردِّ على الاعتداءاتِ الصهيونية وتتصدَّى للحزب نيابةً عن "إسرائيل" ولذلك اشترطت تل أبيب في عناصرِ القوةِ الفعاليةَ والتدريبَ والقدرةَ على جمع المعلومات الاستخباراتية عن الحزب وخططه ثم قهره على نزع سلاحه، فيكون صدام الحزب مع هذه القوة صدامًا مع المجتمع الدولي، ولهذا السبب تمنَّت "إسرائيل" أن يبادر حلف الناتو إلى تشكيل هذه القوة في ضوء احتياجات "إسرائيل"، فكأن القوة الدولية جزءٌ من جيش "إسرائيل" والقدرات الدفاعية "لإسرائيل" حتى يتفرَّغَ الجيش "الإسرائيلي" لسَحق لبنان وفلسطين وأية دولة عربية أخرى تفكِّر في التصدي للمواقف "الإسرائيلية"، والأهم أن القوة تقوم بهذه المهام قبل أن تنسحب "إسرائيل" من الأراضي اللبنانية، على أساس أن موضوع الأراضي ملف مختلف عن ترتيبات تأمين "إسرائيل".

 

والحق أن الحل الجذري للمأساة اللبنانية والفلسطينية يبدأ بانسحاب "إسرائيل" من الأراضي المحتلة، ولا شأن "لإسرائيل" بما يتم داخل المجتمع اللبناني الذي يقرر مصير حزب الله كحزب سياسي أو كمنظمة عسكرية، وأن القوات الدولية إذا كانت ضروريةً فلتتشكل برضا كل من لبنان "وإسرائيل"، وتتحدد مهمتها في منع اعتداء أي منهما على الآخر بعد الانسحاب، فالقوة الدولية الحالية التي تقوم مهمتها على مراقبة الطرفين أصبح وجودها كعدمها، بل أصبحت هدفًا "لإسرائيل" كما حدث في قصف مقرّ القوة عمدًا، ولا يُتصوَّر أن أي دولة توافق على مخاطرة بالمشاركة في قوةٍ قتاليةٍ تتصدَّى لكلٍّ من لبنان "وإسرائيل" بعد فشل المراقبة، فضلاً عن أن لبنان لن يقبلَ بعد ذلك ما يلائم "إسرائيل" وحدها ولا يمكن فرض قوة عليه.