الحرب التي يشنها الكيان الصهيوني على غزة والضفة الغربية، وتلك التي يشنها على لبنان تهدف إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وهي ليست حربًا للإفراج عن الأسرى من جنود الكيان الصهيوني، ولكنها حرب استُخدم أَسْر الجنود ذريعةً لتحقيق مخطط أُعد له سلفًا لتصفية المقاومة.

 

والدليل على هذا هو الفرق الهائل بين السبب وهو أَسْر الجنود وحجم العمليات العسكرية، خاصةً أن تلك العمليات تطول البنية التحتية والمدنيين في الأساس، كما أنها تطول البنية العسكرية للمقاومة، وأسر الجنود كان بهدف تبادل الأسرى، وكان من الممكن إنهاؤه بالإفراج عن بعض الأسرى من العشرة آلاف أسير الموجودين في سجون الاحتلال.

 

وبغض النظر عن الذرائع فالكيان الصهيوني يعرف أنه لا يستطيع إنهاء القضية وفرض حلٍّ من طرف واحد بدون القضاء على المقاومة، وهو يحاول القضاء على الحركات المقاومة وعلى فكرة المقاومة وإرادة المقاومة؛ لأنه ببساطة يريد إخضاع المنطقة العربية- بما فيها الأنظمة الحاكمة والشعوب العربية- لمخططه الصهيوني الأمريكي، والهادف لإقامة منطقة تقع مباشرةً تحت الهيمنة الأمريكية، يقوم فيها الكيان الصهيوني بدور الشرطي الذي يقود المنطقة، ويُخضعها بالكامل للإرادة الأمريكية والغربية، وما حدث في العراق ليس بعيدًا عما يحدث في فلسطين ولبنان، فالهدف النهائي واحد، وهو تكوين منطقة نفوذ أمريكية، تخضع بالكامل لإدارة الإدارة الأمريكية.

 

والحرب بهذا المعنى ليست مجرد فصل من فصول إطلاق النار، ولكنها جولة أساسية يراد من خلالها إنهاء القضية العربية بالكامل وإسقاط الحقوق العربية، وعلى رأسها الحق الفلسطيني، ولهذا نتصور أننا بصدد معركة حياة أو موت، أي معركة تحدد الاختيارات النهائية لكل الأطراف؛ حيث يحاول كل طرف فرض تصوره للصراع الصهيوني العربي، ولأنها معركة مفتوحة بكل معنى الكلمة لهذا فهي معركة يريد من خلالها الطرفُ الصهيونيُّ إنهاءَ الصراع حسب تصوره، وربما يكون من الصعب الوصول إلى الجولة الأخيرة في الصراع، ولكن الطرف الصهيوني يريد بالفعل إنهاء تلك الجولة لتكون الجولة الأخيرة، وبعدها يفرض أوضاعًا نهائيةً على أرض الواقع، تمثل في تصوره الحدود النهائية لدولة الكيان الصهيوني.

 

والدعم الغربي والأمريكي خاصةً للكيان الصهيوني دعمٌ لا نهائيٌّ، والحقيقة أنه ليس دعمًا من قبل الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي للمخطط الصهيوني، ولكنه في الواقع تنفيذٌ للمخطط الغربي خاصةً الأمريكي.

 

فالواقع يؤكد أن الكيان الصهيوني يحارب من أجل مشروعه، وقبل ذلك يحارب بالوكالة عن الإدارة الأمريكية، والتي أوكلت للكيان الصهيوني تنفيذ رؤيتها للمنطقة العربية، والتي تسميها الشرق الأوسط الجديد، وقبل ذلك كانت تسميها الشرق الأوسط الكبير في فلسطين ولبنان، وتقوم الإدارة الأمريكية بتنفيذ تصورها في العراق من خلال الاحتلال العسكري، كما تقوم بتنفيذ تصورها بالضغط الدولي على سورية وإيران، وبالتدخل السياسي في بقية البلاد العربية والإسلامية.

 

والذي يجعل هذه الحرب في فلسطين ولبنان تختلف عن غيرها من جولات الصراع هو حقيقة توصل الإدارة الأمريكية لمشروع هيمنة متكامل على المنطقة العربية، حقَّقت منه الجزءَ الأكبر من خلال إخضاع العديد من الأنظمة العربية والإسلامية للهيمنة السياسية الأمريكية المباشرة، ويضاف لهذا بروز خيار المقاومة كخيار شعبي من قبل الأمة العربية والإسلامية، ظهر ذلك واضحًا في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، كما ظهر أيضًا في الانتخابات البرلمانية المصرية، ففوز حركة حماس بالأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني وفوز جماعة الإخوان المسلمين في مصر بخُمس مقاعد مجلس الشعب المصري أظهَرَ توجُّه الجماهير نحو المشروع الإسلامي، وهو مشروع يقوم على إرادة المقاومة في وجه كل اعتداء خارجي؛ مما جعل مَيْلَ الأمة نحو تأييد المقاومة حاضرًا في وعي الإدارة الأمريكية.

 

بهذا تتحول المنطقة إلى ساحة للحرب المفتوحة، ونقصد من ذلك أنها حربٌ لا تعرف الحدود، ولا تخضع للمعايير العسكرية الواضحة، فلا توجد أهدافٌ عسكريةٌ حقيقيةٌ من الحرب التي يشنُّها الكيان الصهيوني على فلسطين ولبنان، ولا توجد نقاط على الأرض يريد السيطرة عليها، أو أهداف عسكرية مضادَّة له يريد تدميرها، ولكنَّ أهداف الحرب الحقيقية هي القضاء على المقاومة، وتلك العملية صعبةٌ لحدٍّ بعيدٍ، فالمقاومة كما قلنا اختيارٌ شعبيٌّ، وهي تستند على قاعدة جماهيرية، وقوة المقاومة الحقيقية تكمن في الجماهير المؤيدة لها.

 

وعندما ننظر بتمعن لحزب الله سنجد أنه يمثل كتلةً بشريةً جماهيريةً هي السبب الرئيس في قوته وحضوره السياسي والعسكري، ونفس الأمر نراه بالنسبة لحركة حماس والجهاد الإسلامي، فحركات المقاومة الإسلامية هي بناء اجتماعي جماهيري، يستمد قوتَه الحقيقيةَ من التأييد الشعبي الذي يحظى به، وهذا ما يجعل حرب تدمير المقاومة مسألةً صعبةَ المنال، ولكنَّ هذا أيضًا ما يجعلها حربًا ضد المدنيين والبنية التحتية، فهي حربٌ ضد جماهير المقاومة وضد التأييد الشعبي الذي تحظَى به المقاومة.

 

وعندما يضرب الكيان الصهيوني المدنيين في فلسطين ولبنان فهو لا يخطئ الهدف، ولكنه بالفعل يصيب الهدف الذي أراده، فهو يريد ضرب إرادة المقاومة، وهي في الواقع تتمثل في التأييد الشعبي للمقاومة، وعليه نرى أن الهدف الحقيقي من الحرب في فلسطين ولبنان هو كسر إرادة المقاومة لدى الأمة العربية والإسلامية، فالهدف هو المدنيون، ولكن هل تنكسر إرادة المقاومة لدى الجماهير العربية والإسلامية؟!

 

إن وقائع المعركة حتى الآن تشير إلى تزايد الالتفاف الشعبي حول المقاومة، وتزايد الغضب من العدوان الصهيوني، وكأن المعركة تُعيد بناءَ إرادة المقاومة لدى الأمة.