بقلم: السفير محمد والي
صرَّح السيد عمرو موسى- الأمين العام لجامعة الدول العربية عقب الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة بالقاهرة يوم 15 من يوليو 2006م- بأن عمليةَ السلام قد ماتت، وهذا ليس موضعَ خلاف؛ لكنَّ التناقضَ في كلامِ موسى تصريحه بأن الجامعةَ العربيةَ ستُحيل الموضوعَ إلى مجلسِ الأمنِ الدولي؛ لأنه من الواضحِ وضوحَ الصبح لذي عينين أن أمريكا ومن ثَمَّ "إسرائيل" تمتلك مجلسَ الأمن الدولي وتمتلك منظمة الأمم المتحدة.
لكننا نريد أن نُظهرَ ما لم يَقُلْهُ موسى على الملأ؛ بأن عملية السلام ليست وحدها التي ماتت، وبأن الجامعة العربية ليست وحدها هي التي ماتت كذلك، فقد ولدت نزولاً على رغبة بريطانيا العظمى عام 1945م وبإيعازٍ من وزير خارجيتها حينئذ أنطوني إيدن، فهي ولادة غير شرعية منذ البداية، لكنها ماتت بالفعل مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد، فقد أجهزت هذه الاتفاقية على ميثاق الضمان الجماعي العربي، الذي كان يعتبر أي عدوان على دولة عضو بالجامعة العربية عدوانًا على جميعِ الأعضاء؛ فقد نصَّت الفقرة الخامسة من المادة السادسة من هذه الاتفاقية على ما يلي: "مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة يقر الطرفان بأنه في حالة وجود تناقض بين التزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى، فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة تكون ملزمة ونافذة"، والمقصود بالطبع هو ميثاق الضمان الجماعي العربي المُوقَّع عام 1954، واتفاقيات الدفاع المشترك المترتبة عليه، والنتيجة أنه طبقًا لاتفاقية كامب ديفيد لا تستطيع مصر مساندة أي دولة عربية تتعرَّض للعدوان "الإسرائيلي".
فالحقيقة إنه إذا كان موسى يريد الإنصاف، فإن النظام العربي كان قد مات بالفعل مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وإذا كان يريد الإنصاف كذلك فإن موت النظام العربي يحمل معه أيضًا موت الأنظمة العربية.
إن من المهام الأساسية للدول كدول وللأنظمة السياسية كأنظمة سياسية حماية بلادها وأرواح سكانها، فإذا عجزت عن ذلك فلا قيمة لها.
على أن المسألة هنا لا تتوقف عند انعدام القيمة بل تتعداها إلى ما هو أفدح، من تسليم لرعاياها لسيف الجلاد، ألم يصرِّح رئيس أكبر دولة عربية بأن علاقتنا مع أمريكا علاقةٌ إستراتيجية، أي علاقة إستراتيجية تقوم بين الجاني والضحية، إلا أن تكون مهمة هذا الرئيس ليس الحفاظ على شعبه وإنما تسليم شعبه لقمة سائغة للعدو الغاصب لقاء ثمن بخس هو الحفاظ على كرسي الحكم له ولأولاده من بعده.
لقد فشل المشروع الصهيوني الأمريكي في العراق، ثم فشلت ترتيباته في لبنان، نعم نجح في إخراج القوات السورية من لبنان، ومن ثم كان يسعى لنزع سلاح المقاومة اللبنانية، لكنه فشل في ذلك، والآن تريد "إسرائيل" بعدوانها على لبنان أن تنفِّذَ بيدها ما عجزت عن تنفيذه بالقرارات الدولية.
لقد فوجئت قوى الاستكبار ومعها الأنظمة العميلة في المنطقة بصعود حماس وتمسك الشعب العربي بخيار المقاومة، فأرادت أن تقضيَ على روح المقاومة حتى لا تسريَ في المنطقة سريان النار في الهشيم، فتآمرت مع العدو على حماس وتآمرت معه على حزب الله، فبرهنت على غبائها من جديد، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21)﴾ (يوسف)، لقد كانت خطة الصهيونية المتحالفة مع أمريكا وباقي قوى الشر في العالم تفتيت المفتت، وتقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ، وإغراق المنطقة في صراعات عِرقية ومذهبية، حتى تكون "إسرائيل" هي القوة الإقليمية العظمى في المنطقة، فتصول فيها وتجول دون رادع، ولكنَّ الله لطيفٌ لما يشاء حين أراد الانتقامَ من فرعون جعل فرعون يتبنَّى موسى عليه السلام ويتعهَّده في قصره ليكون له عدوًّا وَحَزَنًا.
كان الشاه هو العميلَ الأولَ لأمريكا في المنطقة وحين استقبله الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر في البيت الأبيض وقال له: أنت جزيرة الأمان في بحر من الفوضى، قامت الدنيا على الشاه ولم تقعد، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وحين انتصرت الثورةُ الإسلامية في إيران، جنَّدت لها أمريكا صدام حسين وعملاءها العرب ليكسروا حدتها فانكسروا هم، وسلط عليهم ربك صدام حسين نفسه حين احتل الكويت، ثم جندتهم أمريكا بعد ذلك ضد صدا