مقديشيو- عواصم- وكالات الأنباء

تطورت الأوضاع السياسية والأمنية في الصومال على نحوٍ أكثر خطورةً بعد اغتيال وزير الدستور والوحدة الفيدرالية الصومالي عبد الله ديرو إسحق؛ حيث اتهم رئيس وزراء الصومال علي محمد جيدي أمس السبت كلاًّ من ليبيا ومصر وإيران وإريتريا بإذكاء جذوة ما دعاه بـ"التَّطَرُّف" في بلاده، وزعم أنَّ قتلة إسحق لهم صِلاتٌ مع ما دعاه بـ"إرهابيين دوليين"، ونفت المحاكم الإسلامية الصومالية أيَّة مسئولية لها عن هذه الجريمة، من جهتها جدَّدت الولايات المتحدة تحذيراتها لكلٍّ من إثيوبيا وإريتريا من التدخل في الشئون الصومالية.

 

وقالت وكالة (رويترز) للأنباء إنَّ تصريحات جيدي جاءت بعد أنْ حضر مئاتُ المُشَيِّعِين جنازةَ الوزير الذي اغْتِيل لدى مغادرته أحد المساجد في بيداوا؛ حيث مقرّ الحكومة الصومالية المؤقتة في أحدث تصعيدٍ للعنف في الصومال، وقال جيدي: "قُتِلَ إسحق على أيدي مجرمين لهم صلةٌ بالإرهاب الدولي".

 

وأضاف: "من المؤسف أنَّ بعض الدول التي اعتقدنا أنَّها صديقةٌ لنا تَوَحَّدَتْ لتدمير الحكومة الاتحادية الانتقالية، ومن بين هذه الدول ليبيا ومصر وإيران وإريتريا التي تُغَذِّي معًا الإرهابَ في الصومال"، ولكن جيدي لم يُقَدِّم المزيدَ من التفاصيل عن مزاعمه هذه، لم يُوجِّه اتهامًا مُحَدَّدًا لأيٍّ من هذه الدول فيما يتصل بالجريمة.

 

مِنْ جِهَتِها رفضت وزارة الخارجية المصرية مثل هذه الاتهامات، وأعلن علاء الحديدي- المتحدث باسم وزير الخارجية المصري- عن رفض تلك المزاعم، وقال: "إنَّ مصر تُعْرِب عن أسفها واندهاشها لصدور مثل هذه التصريحات"، مُضيفًا أنَّ موقف مصر معروفٌ بأنَّه يدعم الشعب الصومالي والحكومة الشرعية.

 

وتأتي هذه التصريحات لتُوَسِّع نطاق المواجهة بين حكومة جيدي وبين اتحاد المحاكم الشرعية الإسلامية التي انتزعت السيطرة على العاصمة مقديشيو وغيرها من مدن وبلدات الجنوب الصومالي خلال الفترة الماضية ليتحول سريعًا إلى أزمة إقليمية.

 

على الصعيد السياسي الداخلي في الصومال قام محتجون بسبب اغتيال الوزير بإحراق إطارات السيارات ونهْب المتاجر يوم الجمعة الفائت في بيداوا، لكن الهدوء عاد إلى المدينة أمس السبت، ونقلت الوكالات عن شهود عيان إنَّه قد تم فَرْض إجراءاتٍ أمنيةٍ مُشَدَّدَةٍ في جميع أنحاء بيداوا، وتمَّ إيقاف السيارات عند نقاط تفتيش، فيما وقف حرَّاس يحملون السلاح على أبواب الفنادق التي يقيم بها نواب البرلمان والوزراء.

 

وذكرت مصادر في الشرطة الصومالية أنَّ ستَّة رجال قد اعْتُقِلُوا فيما يتصل باغتيال الوزير يوم الجمعة، وعبَّرت مصادر أجنبية في بيداوا- طلبت عدم ذكر هويتها- عن اعتقادها بأنَّ المُحْتَجَزِين هم شباب من التيار  الأصولي.

 

وقال الشهود أيضًا إنَّ الرئيس عبد الله يوسف وغيره من كبار الشخصيات في الحكومة الصومالية قادوا المُشَيِّعِين في مراسم دفن الوزير التي جَرَت صباح أمس السبت، وقال نوابٌ لوكالة (رويترز) إنَّه تكريمًا للوزير أجَّل البرلمانُ مناقشةَ مشروع قرار بسحب الثقة من جيدي من أمس إلى اليوم الأحد.

 

جديرٌ بالذكر أنَّ هناك انقسامًا بين الوزراء والنواب بشأن مصير جيدي، ويرى مَن يريدون سحب الثقة منه سبيلاً لاجتذاب المحاكم إلى المشاركة في اتفاق على تقاسم السلطة عن طريق عرض منصبه عليهم، بعيدًا عن الحرب كبديل يخشاه كثيرون.

 

على الصعيد السياسي أيضًا يدعو دبلوماسيون إلى العودة إلى محادثات السلام التي تستضيفها السودان برعاية الاتحاد الأفريقي، ونقلت (رويترز) عن مبعوث الاتحاد الأفريقي إلى الصومال محمد علي فوم قوله: "لا نستطيع جرَّهم إلى طاولة المفاوضات، لكنني أعتقد أنَّ بإمكان المجتمع الدولي عمل الكثير لإقناعهم".

 

على صعيد المواقف الدولية مما يجري في الصومال وجَّهَتْ الولايات المتحدة أكثر تحذيراتها وضوحًا إلى كل من إريتريا وإثيوبيا بأنْ تبقَيا بعيدًا عن الأزمة المتفاقمة في الصومال؛ حيث يُعْتَقَد أنَّهما تدعمان الطرفَين المتناحرَين هناك.

 

ونقلت وكالات الأنباء أمس السبت عن مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون الأفريقية جينداي فريزر قولها: "هناك الكثير من العناصر الأجنبية في الصومال في الوقت الراهن"، مستشهدةً بتقارير تقول إنَّ إثيوبيا أرسلت جنودًا لدعم الحكومة الصومالية المؤقتة في بيداوا وإنَّ إريتريا تمد المحاكم بالسلاح.

 

وقالت: "لا يستطيع اتحاد المحاكم الإسلامية أو الحكومة الاتحادية الانتقالية أنْ يحاولا التفوُّق على بعضهما البعض بالقول بأنَّ الطرف الآخر ينتهك سيادة الصومال، جميعهم دعوا أجانب وجميعهم يحظَى بدعم قوات أجنبية"، وقالت للصحفيين خلال زيارة لجمهورية الكونغو الديمقراطية لمراقبة الانتخابات الرئاسية هناك إنَّه من الضَّروري منع تحوُّل الأوضاع في الصومال إلى "أزمة إقليمية"، وأضافت: "لا بد من إبقاء الأثيوبيين والإريتريين خارج الصومال، ومنعهم من نقل صراعهم الحدودي إلى أرض الصومال".

 

وقالت فريرز: "مفهوم أنَّ هناك أثيوبيين في الصومال، وهناك تقارير أيضًا عن أنَّ الإريتريين يَمدُّون اتحاد المحاكم الإسلامية بالسلاح، وربما يرسلون لهم خبراء عسكريين"، ومما يُزِيد الوضع المُتَأَزِّم بالفعل تفاقمًا طبقًا للمزاعم الأمريكية هو الاعتقاد بوجود بعض "المتشدِّدين الإسلاميين الأجانب" في الصومال.

 

وفي السياق قالت فريرز إنَّه يَتَعَيَّن على المجتمع الدولي أنْ يُوَجِّه تركيزَه على دعم الحكومة المؤقتة التي تشكَّلت في 2004م في إطار اتفاق سلام مدعوم من الغرب وأفريقيا، وأضافت: "الوضع الآن مضطرب للغاية، وأعتقد أنَّ أفضل أمل للشعب الصومالي هو أنْ يجلسوا معًا ويتحاوروا لمحاولة تحديد مستقبلهم".

 

ويقول مراقبون إنَّه بالرغم من اللهجة الحادة لفريزر فإن واشنطن تواجه اتهاماتٍ بأنَّها عجَّلت بوقوع الأزمة الحالية في الصومال عبر إرسال أموال وأسلحة لتحالف زعماء الحرب السابق الذي هزمته المحاكم.