بقلم: دكتور/ محمد جمال حشمت*

الرئيس الفرنسي يبعث برئيس وزرائه إلى لبنان دعمًا للحكومة اللبنانية (رغم صمته على جرائم إسرائيل) وهذا شأن مَن يلعب سياسةً تخدم مصالح الوطن، بينما النظام المصري يرسل وزير خارجيته لأمريكا في حوار إستراتيجي كي يضمن استقرار الحكم ودعم استمراره (رغم عدم استنكاره هدم البنية الأساسية لحزب الله!!) وهذا هو الفارق بين دولة قوية، ودولة اختُزلت في شخص أو مؤسسة تنظر لمصالحها بل لمصالح الشريك الإستراتيجي الأقوى، خاصةً أن النظام المصري لا يملك من أوراق القوة شيئًا في مواجهة العالم الخارجي اليوم، حتى أمام شعبه لم يعُد يملك سوى الأمن المركزي الذي بات يحرس التزوير والتلفيق والسرقة والنهب المنظَّم، والكل يتفرَّج داخل مؤسسة الحكم بعد أن تمَّت السيطرة عليهم بذهب المعزّ وسيفه!!

 

ولعل موقف الحكومة المصرية من الكيان الصهيوني معلوم منذ نشأة الحزب الوطني الذي كان وجوده شرطًا لمناحم بيجين كي يوقِّع على المعاهدة مع مصر، حتى لا يصبح التوقيع مرتبطًا بوجود السادات بشخصه، بل بوجود مؤسسة تعمل تحت حماية أمريكية ودعم صهيوني؛ لذا تشكَّلت الأحزاب قبيل التوقيع النهائي للاتفاقية، بل وكان من أهم شروط تكوين أي حزب آخر ضرورة الاعتراف بل حماية معاهدة كامب ديفيد المشهورة باتفاقية السلام، وهو شرطٌ تم إلغاؤه فقط في عام 2005م، عند تعديل قانون الأحزاب المصرية (ربما لمقدرة الدولة الآن من وأْد أي حزب ينشأ دون الحاجة لهذا النص) ولكنه شاهدٌ على ما أذكره من ارتباط نشأة الحزب الوطني بتنفيذ المخططات الصهيونية التي أخرجت مصر من صراعٍ لم يُحسَم بعد، بل ما زال يهدد الأمن القومي المصري في كل لحظة، وكان شؤمًا على الأمة العربية والإسلامية التي استسلم حكامها بهذه الصورة المهينة والمخزية التي نراها في ردود أفعالهم من الإجرام الصهيوني المدعوم أمريكيًّا ضد الشعبَين الفلسطيني واللبناني اليوم!!

 

والحديث عن الرؤساء الأجانب محفوفٌ الآن بالخطر بعد إقرار قانون الحبس، ولكني ألتزم بتفسير رئيس مجلس الشعب والمذكور في المضبطة (وهو شارح لنصوص القانون) بأن تناول شخص الرئيس بالإهانة أو التجريح في حياته الشخصية هي التي تستوجب تنفيذ النصوص العقابية، أما معارضة السياسات ونقد الأداء فلا تجريم فيه؛ لذا أقول إن التحالف العربي الذي يتزعمه الثلاثي السعودي والمصري والأردني قد انتهج نهجًا يخالف إرادة الشعوب، ولأن ما يقدمه رجال المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان يفضح عمالة هؤلاء ويؤكد توجُّهَهم لقبلة البيت الأبيض بغضِّ النظر عن المكاسب المتحقِّقة لشعوبهم من هذه العمالة بحساب الربح والخسارة، وهي لا شك خسارة نتجرَّعُها طوال عشرات السنين دون أن نستشعر أيَّ قيم حضارية نتملَّكها كعرب ومسلمين أو حتى نستوردها ممن يمتلكون رقابَ حكامنا من معاني الحرية واحترام العمل والشفافية وتداول السلطة؛ لذا كان الجديد من تلك العصبة الحاكمة هو السخرية والتقليل من شأن المقاومة وما يترتب عليها من آثارٍ ثم تبنِّي المطالب الصهيونية الأمريكية ووضعها في قالب عربي يدعي الحرص على عروبة لبنان ووحدة أراضيه، وهو لا يختلف كثيرًا عما عرضه الغضنفر عنان سكرتير الأمم المتحدة (الأمريكية)!!

 

وفي ندوة عُقدت في مقرِّ نواب الشعب من الإخوان في دمنهور تحت عنوان (المقاومة الإسلامية.. الرسالة والمصير) تحدث فيها الدكتور رفعت سيد أحمد والدكتور عبد الكريم العلوجي كانت هناك معلوماتٌ أرى أنه يجب طرحُها على الرأي العام، منها:

- أن حزب الله لم يكن في حاجة للتأكيد على أن ما فعله من هجومٍ وأسْرٍ للجنديين الصهيونيين معلومٌ ومتفقٌ عليه مع الحكومة اللبنانية، وقد تم طرحه على مائدة الحوار اللبناني- اللبناني، والمفاجأة كانت في التوقيت فقط، وهو أمرٌ معلومٌ بداهةً أنه لا بد من السرِّيَّة حتى للكثيرين من حزب الله لتحقيق عنصر المباغتة وليس كما صرَّح "الغلابة" الذين لا باع لهم في السياسة أو غيرها، من ضرورة إخبار الحكومة اللبنانية!! والاتفاق تم بهذه الصيغة أنه "لا بد للمقاومة من أن تسترد الأراضي المحتلة في مزارع شبعا مع ضرورة إطلاق سراح الأسرى من أيدي العدو" ومعلوم أن الأسرى يتم تحريرهم في مقابل أسرى!! فما الجديد إذن؟ وإذا كان الشعب اللبناني نفسه يدعم المقاومة الإسلامية في الجنوب ويُلقي بالمسئولية على "إسرائيل" وأمريكا والحكام العرب الذين وفَّروا الحماية والمظلة لقتل الشعب اللبناني على مدار أكثر من عشرة أيام حتى الآن فلماذا يصبح هؤلاء الحكام ملكيِّين أكثر من الملك؟!

- أن حزب الله رغم امتلاكه قوةً عسكريةً إلا أنها لا تُرى في الشارع اللبناني، ولا يمكن أن تجد سلاحًا في الشوارع أو في مقرات الحزب، وهو بذلك لم يوجِّه سلاحه أبدًا ولو مجازًا إلى الشعب اللبناني، وذلك من أسرار التفاف معظم الشارع اللبناني حول حزب الله، رغم التحريض واسع النطاق الذي يشنُّه العاجزون من الحكام العرب ضده!!

- أن حزب الله قد أتاح لكل فئات المجتمع اللبناني فرصة الانضمام له، بغضِّ النظر عن التوجه العقيدي؛ لذا كان قراره بعد تحرير الجنوب بإنشاء سرايا المقاومة لينال كلُّ اللبنانيين شرفَ مقاومة العدوِّ الصهيوني، وهذا مما يُحسَب له في دولة متنوعة كلبنان.

 

في النهاية نجد أن خطورة الموقف فيما يخص المقاومة في فلسطين ولبنان هو حرمانها من العُمق والبعد العربي والإسلامي الذي يؤمِّن لهم مدًّا وامتدادًا؛ وذلك بسبب استسلام الحكَّام لرغبات محور الشيطان الأمريكي الصهيوني، إضافةً إلى قَمعهم لشعوبهم عندما أرادوا أن يعبِّروا عن غضبهم لما يحدث في أرض الجهاد؛ مما أتاح لنا أن نرى مظاهراتٍ في بلاد الغرب أكبر وأضخم مما يخرج في بلاد العرب والمسلمين، فبئس القيادة وبئس الرجال هم!!

 

والغريب أن هؤلاء الحكام يدفعون شعوبهم للفوضى والهياج (ولا أدري بوعي أم بغير وعي!!) فالزيادات التي تشهدها مصر في الأسعار مع انهيار قيمة العملة وثبات الرواتب والتي تقهر الرجال في معاشهم تزيد من ضراوة الحياة على ملايين الأُسَر التي لا تجد قوتَ يومها في مصر، بل تصيب ما تبقَّى من الطبقة الوسطى في ركائز بقائها التي كانت تسمح لها أن تعيش مستورةً ودون أن تشعر بالفقر والحرمان!! وتأتي ضغوط المواقف المصرية الخارجية المُخزية لتزيد الاحتقان وتزيد من حالة الغضب، ولا أدري إلى أين تدفع الحكومة الشعب المصري؟! وهل هذا يصبُّ في خانة الفوضى الخلاَّقة وإعادة ترتيب المنطقة وفق الأجندة الأمريكية كما تصرِّح ستهم كوندي؟! الأمر خطير، فالمقاومة قد نالت شرف الجهاد، ولا خوف عليها من النهاية، إما نصرًا أو شهادةً، والنصر (في غياب الدعم العربي الإسلامي) قد يكون وقف إطلاق النار دون أن تحقق "إسرائيل" هدفَها من استرداد الجنديَّين، وقد يكون تهديد العمق الصهيوني كما لم يحدث مطلقًا من قبل!!

 

أما نحن فقد نلنا ذلَّ التواجد تحت قياداتٍ خانعةٍ هزيلةٍ تدَّعي الحكمة والواقعية، وهي تعلم أن ما حدث في لبنان وفلسطين سيحدُث يومًا ما في سوريا ومصر!! ولن نجد أحدًا يقف معنا وستُفرض علينا الحربُ يومًا ما ونحن لاهون ودون أن نستعدَّ لهذا اليوم كما ينبغي، وهو ما حذَّرتُ منه في لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشعب المصري في مايو 2002م، أثناء أحداث جنين، وطالبتُ بالاستعداد باقتصاد قوي لا يعتمد على الريع ولا الجباية، وتعليمٍ راقٍ يهدف لإخراج مواطن مصري قوي محبٍّ لدينه ووطنه، وإعلامٍ هادفٍ بعيدٍ عن الابتذال والتفاهة، وحياةٍ سياسيةٍ قويةٍ توحِّد الأمةَ على الأهداف الكبرى تتحقق بالحرية وتحتمي بالعدالة وتتخلَّق بالقيم وتتربَّى على التضحية ونكران الذات؛ استعدادًا ليوم المواجهة, ولكن ما تمَّ حتى الآن يصبُّ في مصلحة أعداء الوطن والأمة والدين!!

 

لقد عرفت المقاومة طريقَها.. أما نحن فما زلنا نتلمَّسه، وقد نفتعل المشاجرات بين بعضنا البعض, يشغلنا رغيفُ العيش دائمًا والعلاوة أحيانًا والترقية تارةً وصدارةُ الصورة تارةً أخرى, ورغم أنه لم يعُد لدى أحد أوراقٌ جديدةٌ للَّعب فلقد وضُحت الصورة وتمايَزت بين مقاوِمٍ أو مستسلمٍ، فقد امتلك زمام المقاومة قوم هناك وما زال المستسلمون هنا هم أصحاب الزمام، فمتى تعتدل أو تنعدل كفتي الميزان لتعلوَ كفةُ المقاومة هنا وهناك؟!

 

----------

* عضو مجلس الشعب المصري السابق- drhishmat@yahoo.com