بقلم: عبد الجليل الشرنوبي*
عبد الجليل الشرنوبي

لن يرحمَ التاريخُ شعوبَ العالم العربي أبدًا..
وسترسم أوراقُه صفحاتٍ سوداءَ لملامحِ هذه الشعوب التي لا تعترف أبدًا بقَدْرِ الحكومات وبحَجْمِ جهود الأنظمة ومقدار ما يتكبَّده الزعماءُ من مشقَّةٍ في سبيل استقرارها! ومما لا شكَّ فيه أن السِّير الشعبية والألوان الأخرى من الفلكلور ستروي قصصًا وحكاياتٍ عن قلَّة من شعوب متهورة ومندفعة ونَزِقَة، قابلتها أغلبيةٌ حاكمةٌ متعقلةٌ ورزينةٌ وواعيةٌ ببواطنِ الأمور! وستَظهر في القرون القادمة أغانٍ على طريقة:
ومنين أجيب ناس لمعناة الكلام يتلوه
الاسم حـاكم وهادي مهما يحاربوه
وأهل الوطن يوم بعد يـوم يثـيروه
قال إيه: عايزين عهد السلام يلغوه
ومنين أجيب ناس لمعناة الكلام يتلوه
ولن يرحمَ التاريخُ شعوبَ العالم العربي أبدًا..
ففي الوقت الذي (يحسبها الحكام بالورقة والقلم) حساب الحكماء العقلاء الهادئين (الراسيين) دائمًا ما تُحرِّك الشعوبَ العواطفُ ولغةُ القلوب، فتجدهم يتأثرون مثلاً لمشهد- عادي- مثل "مقتل اثنين من أمناء الشرطة المصريين، قُتِلوا برصاص الصهاينة علي الحدود"، أو يثورون لحادث- عابر- قَتَلَ فيه الرصاصُ الصهيونيُّ شابًّا مصريًّا حاول التسلل عبر الحدود المصرية الفلسطينية، أو تغلي الدماء في عروقهم عندما يسمعون خبرًا عن أسرى مصريين أو أردنيين أو لبنانيين في سجون الصهاينة، رغم أنهم يُعامَلون أحسنَ معاملة، لكنَّ الشعوبَ لها الظاهر، والحكام هم العالمون بالبواطن والخفايا وما لا يراه أمثالُنا من حثالة الشعوب التي لا تستحق إلا قوانينَ طوارئ، ودساتيرَ إرهاب، ومواد 76، وتأجيلاً للمحليات، وزياراتٍ سريةً لأمريكا تفضحها وسائلُ الإعلام الأمريكية.. هذه الإجراءات وغيرها تسعى لربط جأش الشعوب المتهورة والشدِّ على يد حكَّامِنا العقلاءِ وأبنائِهم الحكماء وأحفادِهم الواعين وأبناءِ أحفادِهم (الراسيين)!!
ولن يرحمَ التاريخُ شعوبَ العالم العربي أبدًا..
فحتى أفكار الشعوب في هذه الأيام أصبحت غايةً في التطرف، وإلا فَمَن الذي يمكنه أن يقفَ في وَجْهِ (الغولة) ليقولَ لها "يا غولة عينك حمرا"!!، لن يفكِّرَ عاقلٌ يومًا في مثل هذا التفكير، ولن يتسلَّلَ يومًا إلى وعي صاحب لبٍّ مثلُ هذه الفكرة المدمرة التي تجلب على صاحبها ومَن حوله الدمارَ والخرابَ هو وعائلته وجيرانه وربما أصدقاؤه في "القهوة" أو في "النادي" أو في "الجاكوزي".. إنه ما تفكِّر فيه الشعوب.. حرب وخراب ودمار وديون، هذا إضافةً إلى قتلى، في الوقت الذي لم تضعْ فيه الدولةُ خطةً لتوسيع مقابر 15 مايو أو زيادة "تُرَب" طريق الفيوم لاستيعاب الجثث، فأين سيتم دفن "القتلى"؟!! أليس إكرام الميت دفنه؟!!
ثم أضف إلى القتلى جرحى، وهم البشر الذين تصيبهم الحروبُ بجروحٍ أي (تعاوير) وبلغة الفن الحكومي الموجه (واوا) ولا توجد لدى كلِّ الأنظمة العربية سوى مطربتَيْن تخصصتا في الغناء "للواوا"، وبالتالي فأي شعب يفكِّر في خوض حرب، عليه توفيرُ مطربات، وإلا فليفكِّر بعقلانية، ويؤجِّل مثلَ هذه الأفكار، ويتحلَّى بحكمةِ أنظمتِه، معلنًا؟: (يا بخت من بات مغلوبًا ولم يبت غالبًا) و (يا ثوابه اللي يقدر ويعفي)، ويتدثَّر برداءِ الاستعلاء الذي يسير به الحكام في خيلاء، بينما ظهره مُوَشًّى بالحكمة العاقلة الشهيرة (عشان ما نعلى ونعلى ونعلى لازم نطاطي نطاطي نطاطي)!!
ولن يرحمَ التاريخُ شعوبَ العالم العربي أبدًا..
فلمَن يحيا الحكام؟
ولمَن يسهر الحكام؟
ولمن يشقى ويتعب الحكام؟
ولمن يسافر الحكام، ويجتمعون ويصرِّحون ويندِّدون ويشجبون ويختلفون ويتفقون ويفرحون ويحزنون ويتزوجون وينجبون ويورثون؟!!