دور المقاومة في الصراع العربي الصهيوني دور محوري ومركزي، بل هو الدور الصانع لمصير هذا الصراع والذي يحدد توجهاته المستقبلية، وإذا كانت الحروب النظامية قد أثرت في العديد من المراحل التاريخية للصراع العربي الصهيوني، فإن المقاومةَ باتت هي العاملَ الأكثرَ تأثيرًا في المرحلة الراهنة، بعد أن خرجت الجيوش النظامية من حلبة الصراع، من خلال معاهدات السلام.

 

ونلاحظ أيضًا أن الدول العربية تخشى من الدخول في حروب نظامية مع الكيان الصهيوني، ويبدو أنها بالفعل قد اعتبرت أن حرب 1973م هي آخر الحروب مع الكيان.

 

ولكن للمقاومة حسابات أخرى، فهي أولاً تنظيمات شعبية تخرج من رحم الأمة، وتعبِّر عن مواقفها المبدئية، بل وتعبِّر عن ثوابت الأمة، وهنا يبرز الاختلاف البيِّن بين مواقف الدول العربية والأنظمة الحاكمة، وموقف جماهير الأمة العربية والإسلامية، وأغلبية الأنظمة العربية رضخت للمشروع الأمريكي الصهيوني، واعتبرت مقاومة هذا المشروع عملاً غير واقعي، أو مستحيلاً، وموقف تلك الأنظمة الحاكمة نابع أساسًا من تبعيتها السياسية للقوى العظمى، خاصةً أمريكا، مما جعلها تمرر السياسات الأمريكية في المنطقة وتبررها، وتُعطيها غطاءً سياسيًّا وإعلاميًّا.

 

والواقع يؤكد أن معظم الأنظمة العربية لا تستمد شرعيتها من الجماهير، فهي لا تعبر عن هذه الجماهير، ولا تُمثل تيارًا سائدًا بين الناس، ولم تصل للحكم من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

 

ولذلك نلاحظ فصلاً واضحًا بين الجماهير والأنظمة الحاكمة في المواقف السياسية المختلفة، خاصةً في العديدِ من المواضيع الأساسية والمركزية، مثل الصراع العربي الصهيوني، لهذا تقبل الأنظمة العربية بالهيمنة الأمريكية على المنطقة، بوصفها أمرًا واقعًا لا يمكن مواجهته، وبالتالي تقبل بما تفرضه حكومات الكيان الصهيوني عليها، بوصفه أمرًا مدعومًا من القوى العظمى، خاصةً أمريكا والاتحاد الأوروبي، لا يمكن مواجهته أو التصدي له.

 

وهنا نلاحظ أن الأنظمةَ العربيةَ لا ترفض مواجهة المخططات الصهيونية والأمريكية؛ لأن التصدي لها غير ممكن واقعيًّا من وجهة نظرها فقط، بل ترفض تلك المواجهة لأن أساس وجودها يعتمد على التأييد الأمريكي لها، والدعم السياسي أو المادي الغربي؛ لذلك يعتبر وقوف الأنظمة العربية ضد المخطط الصهيوني بمثابة وقوف ضد القوى الدولية التي تستمد منها أساس بقائها، ولكن الأمر بالنسبة لحركات المقاومة يختلف كليًّا عن هذا الوضع، فحركات المقاومة تأتي من الناس، وتعتمد على الجماهير سواء في عضويتها أو تأييدها، كما تعتمد على الجماهير في الدعم المادي والمعنوي، كما تعتمد على الجماهير في الدعم على أرض الواقع.

 

فالجماهير هي منبع حركات المقاومة، وهي التي تساند وجودها، وتحميها، وتُعطي لها الغطاء العملي، في ممارستها للعمل المقاوم.

 

من هنا علينا فهم موقف حركات المقاومة الإسلامية، والتي أصبحت تقود حركة المقاومة في فلسطين ولبنان، مع غيرها من قوى المقاومة، فهذه الحركات تحمل جدول أعمال الأمة، وتحدد مواقفها بناءً على مواقف الأمة واختياراتها الأساسية، ولهذا تتمسك هذه الحركات بثوابت الأمة.

 

وهذا لا يعني أن تلك الحركات غير واقعية، أو أنها حركات حالمة لا تلقي بالاً لحساباتِ الواقع.

 

كما لا يمكن اعتبار ثوابت الأمة الوطنية والحضارية والدينية مجرد أحلام غير واقعية، كما يحاول البعض اتهام الأمة بالخيالية والعاطفية، وكأنها صفات سلبية.

 

فعلى أرض الواقع، نجد أن الأمةَ تتمسك بحقها التاريخي في أرضها واستقلالها، وهذا لا يعتبر موقفًا خياليًّا أو حالمًا، بل هو موقف تاريخي ميز أمتنا عبر كل تاريخها، كما ميز أمم العالم وشعوبه المختلفة، ولا نجد أمةً أو شعبًا ناهضًا قويًّا، تنازل عن حقوقه واستسلم للعدوان عليه، فالاستسلام للعدو هو من أسباب التأخر والتخلف في أمتنا مثل غيرها من الأمم أو الشعوب.

 

وعندما نقيم مواقف حركات المقاومة الإسلامية، مثل حركة حماس وحزب الله، علينا أن نُدرك أن تلك المواقف تعبِّر عن سبب وجود تلك الحركات، فقد قامت تلك الحركات واكتسبت مقوماتها وقدراتها من خلال تبنيها لمواقف الجماهير المؤيدة لها، ولا يمكن اعتبار ما تأخذه حركات المقاومة من قرارات، بوصفه تعبيرًا قرارًا مستقلاً عن مواقف الجماهير، فحركات المقاومة إذا لم تعبر عن الجماهير، تفقد التأييد الجماهيري الذي تحظى به، وبالتالي ينتهي وجودها على أرض الواقع.

 

من خلال هذه الرؤية نفهم لماذا قامت حركة حماس مع غيرها من حركات المقاومة بعملية الوهم المتبدد، وأسرت الجندي الصهيوني، ولماذا قام حزب الله بعملية الوعد الصادق وأسر جنديين، وهنا يتساءل البعض عن الحكمة في اتخاذ هذه المواقف، وهل أشعلت المقاومة حربًا لا قبلَ لها بها وتركت الأبرياء يدفعون الثمن؟ وهذا ما تحاول الأنظمة الحاكمة ومعها إعلام النخب المتغربة والإعلام الغربي ترويجه، فما مدى حقيقة هذا التصور؟

 

من الواضح أن تلك التصورات تتجاهل حالة العدوان الدائم من الكيان الصهيوني على الشعوب العربية، والعدوان على الشعب الفلسطيني يعد من وجهة نظر الأمة عدوانًا على كل الشعوب العربية والإسلامية، وأمل تحرير الأرض التي تنادي به الشعوب العربية والإسلامية يستلزم دفع الثمن، والأمة العربية والإسلامية تؤكد في العديد من المواقف أنها قادرةٌ على ثمنِ الحرية، وتدفع الحركات المقاومة وتدعمها طلبًا للاستقلال والحرية.

 

ولأن الأنظمةَ العربيةَ استسلمت للمشروع الصهيوني الأمريكي، لهذا أصبحت الأمة تحدد مصير الصراع من خلال المقاومة، فالمقاومة تجعل مصير الأمة بيدها، لا بيد أعدائها أو حلفائهم من الأنظمة العربية.