بقلم: د. رفيق حبيب

مع منتصف عام 2006 وخلال شهر قامت ثلاث حركات فلسطينية، وهي حركة حماس، واللجان الشعبية للمقاومة، وحركة جديدة تُسمى جيش الإسلام بأَسْرِ جنديٍّ صهيونيٍّ من مَعْبَر في كرم أبو سالم على حدود قطاع غزة، وبعدها قام حزب الله اللبناني بأَسْرِ جنديَّيْن صهيونيَّيْن من منطقة الحدود مع الجنوب اللبناني.

 

وكلا العمليتَيْن تمَّ داخل حدود فلسطين المحتلة عام 1948م، أي في المنطقةِ التي اعتُبِرَتْ أرضًا لدولة الكيان الغاصب، واعتُبِرَت خارج أي تفاوض، ونالت اعترافًا دوليًّا من الأمم المتحدة والدول العظمى بأنها أرض لدولة ما يُسمَّى "إسرائيل".

 

جاء هذا في وقتٍ توقفت فيه عملية التفاوض مع الجانب الفلسطيني لسنوات، وبالتالي توقف أي تقدم على مسار عملية التسوية السلمية، كما استمرَّ الكيان الصهيوني في احتجاز عشرةِ آلاف أسير فلسطيني ولبناني وعربي، واستمرَّ أيضًا في تصفية المقاومة على الأراضي الفلسطينية وأيضًا على الأراضي اللبنانية، ولم يقدِّم الجانب الصهيوني أيَّ خطوةٍ إيجابيةٍ في طريق السلام أو حتى التسوية السياسية.

 

وفي ظلِّ هذا المناخ كانت قوات الاحتلال الصهيوني تؤسس لمرحلة تراها الحل النهائي، وذلك من خلال بناء الجدار العازل، والانسحاب أحادي الجانب، ومنذ آريل شارون وحتى إيهود أولمرت، والكيان الصهيوني يضع لنفسه تصورًا عن الحدود الآمنة، وينفِّذ ذلك من طرفٍ واحد، بغضِّ النظر عن الحقوق الفلسطينية أو قضية الأسرى أو مزارع شبعا اللبنانية، وكانت الصورة واضحةً، فالكيان الصهيوني حدَّد تصوره عن الحل النهائي، وعرف أنه لا يوجد شريك فلسطيني يوافق على هذا الحل النهائي، والذي ينتقص من الحقوق العربية ويضعها في مستوى غير مقبول من أي طرف.

 

وهذا التصور يقوم على تحقيق الأمن للصهاينة، ولا يعرف هدفًا آخر له، فهو لا يقيم وزنًا للحقوق العربية أيًّا كانت، وكل هدفه تحديد حدود آمنة ونهائية للكيان الغاصب، وبهذا كان يتحرك في اتجاه إنهاء القضية، وحتى يتسنى له ذلك كان عليه الاستمرار في ضرب المقاومة.

 

تصور الصهاينة أنهم قادرون على كسر إرادة الشعوب العربية، خاصةً الفلسطينيين وحركات المقاومة الإسلامية، وفي هذا الوضع جاءت ضربات المقاومة متمثلةً في عملية الوهم المتبدد الفلسطينية وعملية الوعد الصادق اللبنانية، وجاءت ضربات حركة حماس وحزب الله، لتؤكِّد أن تصور الصهاينة عن الحل النهائي الآمن، تصور واهم ولن يتحقق، ما دام الحق الفلسطيني اللبناني، بل والعربي مسلوبًا.

 

من هنا تأتي أهمية تبديد الوهم، والتي كانت شعار عملية المقاومة الفلسطينية، لتثبت أن تصورات العدو الصهيوني ما هي إلا أوهام، وأن المقاومة قادرةٌ على تبديدها، وعندما ثار العدو الصهيوني وضرب غزة بوحشية، ردت عليه المقاومة اللبنانية بعملية الوعد الصادق، لتوسع ساحة المعركة وتفتح جبهةً جديدة، وتؤكد أن وعد حركات المقاومة الإسلامية لشعوبها وكل الشعوب العربية، بالصمود أمام العدوان الصهيوني لاسترداد الحق العربي، هذا الوعد ليس وهمًا بل حقيقة على أرض الواقع، وأن الوهم الحقيقي هو تصور الكيان الصهيوني بقدرته على سرقة الحق العربي والتمتع بالأمن والسلام.

 

تلك العمليات إذن جاءت في توقيتٍ محكم، لتكون عمليات نوعية ذات دلالة تفوق حجم العملية نفسها، فهي ليست جزءًا من تبادل إطلاق النار، ولكنها ضربةٌ إستراتيجيةٌ تهدف إلى توصيل رسالة مركزة للعدو الصهيوني، تلك الرسالة التي تؤكد استحالة تحقيق الأمن والسلام لطرف، مع اغتصاب حقوق الطرف العربي، وهو صاحب الحق الأصيل في كل فلسطين التاريخية.

 

والبعض قد يتصوَّر أن المقاومة قد فتحت بابًا أمام الكيان الصهيوني لتخريب غزة ولبنان، وهذا البعض يرى أن المقاومة لا تملك القوة اللازمة لتحدي القدرات العسكرية الصهيونية، وعليه يتصور البعض أن المقاومة قد أخطأت، وأنها جعلت المدنيين الأبرياء يدفعون الثمن.

 

ومثل هذا القياس يُراد منه تَحْطِيمُ إرادة المقاومة، وجَعْلُ تفوق الميزان العسكري لصالح الصهاينة سببًا في الاستسلام الكامل من الجانب العربي، وتلك الرؤية في الواقع تساند الموقف الاستعماري والعدواني للكيان الصهيوني، وتؤيِّد بالتالي المواقف الغربية المؤيدة للكيان، ومعنى تلك الرؤية، هو أن نستسلم ونترك الأرض المحتلة، ونلقي السلاح جانبًا، ورغم أن كل شعوب العالم كافحت عبر التاريخ البشري الطويل، لتحقق الاستقلال، إلا أنه يراد لنا أن نكون أول أمة تستسلم للعدوان والاستعمار الاستيطاني في فلسطين المحتلة.

 

وفرحة الشارع العربي بعد عملية الوعد الصادق التي قام بها حزب الله، أكدت أن تلك العملية وقبلها عملية الوهم المتبدد، لم تزلزل الرؤية الصهيونية للأمن فقط، بل ضربت بقوة كل الرؤى الاستسلامية العربية، سواء تلك التي تتبناها الحكومات، أو تلك التي تتبناها بعض الفصائل الفلسطينية التي اعتزلت المقاومة وتفرغت للحلول الاستسلامية، وبهذا فإن عمليتَي الوهم المتبدد والوعد الصادق جاءتا في توقيتٍ لافتٍ للنظر؛ لتعيدَ تحريكَ القضية من جديد، وتُذكِّر بالحقوق الفلسطينية واللبنانية، بل والحقوق العربية المسلوبة، وتحرك الشارع العربي من جديد، وتطرح أملاً في إمكانية استمرار المقاومة، رغم كل تفوق عسكري صهيوني.

 

وعليه نرى أن المقاومة في فلسطين ولبنان فتحت فصلاً جديدًا في الكفاح ضد العدو وضربت الأوهام الصهيونية، لتعود القضية مرةً أخرى لمسارها الصحيح، والذي يستند على إرادة المقاومة.