بقلم: د. رفيق حبيب

كثيرًا ما تُثار مسألةُ التجديدِ والتقليدِ في جماعة الإخوان المسلمين، وعادةً ما تُثار من باب نقد الجماعة، على أساس أنها ترفض التجديد، وكثيرًا ما نرى تحليلاتٍ تذهب إلى حدِّ اعتبار بعض رموز الجماعة ممثلين للتجديد السياسي داخل الجماعة، وَتَرَى هذه التحليلات أن هؤلاء لا يمثلون الجماعة، وهذه الصورة على بساطتها، وقدرتها على الرواج بين ناقدي الجماعة، إلا أنها لا تمثِّل الحقيقة، بقدر ما تمثِّل وسيلةً للهجوم على الجماعة.

 

ولكن بعيدًا عن الصورة الإعلامية عن الجماعة، نرى أن الجماعة لها منهجٌ في التجديد الفكري، يعتمد في الأساس على طبيعة الجماعة، وهي تمثِّل في الواقع جماعةً حركية.

 

وكثيرًا ما نسيء فهمَ الجماعةِ بسبب تصورنا لها على أساس أنها جماعةٌ فكريةٌ، أو نخبةٌ ثقافيةٌ، أو جماعة تنظير سياسي.. وكل هذه التصورات ليست حقيقيةً في الواقع، فالجماعة تقوم على الحركية كمنهج أساسي ومركزي لها. ولهذا عندما ننقد الجماعة بسبب عدم وجود منظرين من بين أعضائها، أو عدم بقاء بعض المنظرين بالجماعة، فإن هذا النقد يحتاج لإعادة صياغة؛ حيث إن الجماعة لا تقوم بالتنظيرِ كأحد أنشطتها، ولهذا فإن المنظرين لا يجدون فيها مجالاً جيدًا بالنسبة لهم.

 

ولكن كيف يؤسس الفكر في الجماعة الحركية؟ الواقع يؤكد أن الجماعةَ لا تؤسِّس فكرًا بل فقهًا، والفقه هو الفهم، والفهم يتحقق من خلال المقابلة بين النَّصِّ والواقع، ولهذا فإن المضمون الحقيقي لرسالة الإخوان المسلمين- منذ تأسيسها على يدِ الإمام حسن البنا- كان ترجمة رسالة الإسلام الشاملة في الحياة، ولهذا أصبح الفكر يعبِّر عن كيفيةِ ترجمة النصِّ في الحياة، وعليه يصبح التأسيس النظري نتاجَ تلك المقابلة بين النص والواقع.

 

وفي الجماعة الحركية تكون الخبرة والفكرة مندمجين معًا، حيث تأتي الفكرة من الخبرة، وتأتي الخبرة من الفكرة؛ بمعنى أن التأسيسَ النظريَّ هنا يقوم على مواجهةِ الواقع بالفكرةِ الأساسية، وهي الرسالةُ الإيمانيةُ الشاملة، ومن خلال هذه المقابلة تتحدَّد المواقف العملية والفكرية معًا، في سياقٍ يجعل الفكرة تعبِّر عن الحركة، ويجعل الحركة تأكيد للفكرة.

 

إذا فهمنا هذا المنهج في التفكير والحركة يمكن أن نسألَ عن العلاقة بين التقليد والتجديد داخل الجماعة. فأولاً علينا تعريف التقليد والتجديد، وبالفهم المباشر البسيط، يكون التقليد هو إتباعُ فكرة السابقين، والتجديد هو طرح رؤية جديدة.. وبهذا المعنى يكون موقف الجماعة التقليدي هو الموقفَ القائمَ على الأفكار التي تبنَّتها سابقًا، والموقف التجديدي هو النابع من أفكارٍ جديدةٍ لم تتبنَّها من قبلُ، وهنا يكون لزامًا علينا أن نؤكدَ أن الكثير من الأفكار- خاصةً تلك التي تتعلًَّق بالأسس- لا تكون موضعًا للتجديد، ويصبح التمسك بها ليس موقفًا تقليديًّا، بل هو تمسك بالرسالة نفسها، أما المواقف التي تفرض التجديد، فهي تلك المتعلِّقة بموقفٍ تغيَّر عن سابقِ عهده، وبالتالي يحتاج من الجماعة إلى رؤية جديدة له، تناسب واقعه الراهن.

 

والحاصل أن الجماعة وبسبب طبيعتها الحركية تتفاعل مع مجرياتِ الأمور بصورةٍ إيجابية، لم يفهمْها كثيرٌ من المتابعين، فغالبًا ما تحدِّد الجماعة موقفَها النهائيَّ من أمرٍ ما، عندما تكون بصددِ مواجهة هذا الأمر في الواقع. وعليه فالجماعة لا تحدِّد الكثيرَ من المواقف التصورية، أي لا تحدِّد موقفَها من حدث لا تواجهه، ولسان حالها "لكل حادث حديث.

 

وتلك المقولة في الواقع تؤكد الطبيعة الحركية للجماعة، في مقابل التنظير، فهي ليست جماعةً تعتمد التنظيرَ الخالصَ منهجًا لها، بل تعتمد التنظيرَ للموقف الراهن، ويصبح العام والمستمر في فكر الجماعة هو الإطار المركزي لرسالتها، ثم تحدِّد موقفها وفكرها من كل قضية عندما تواجهها بالفعل.

 

والعلاقة بين التجديد والتقليد تقوم على طبيعة المرحلة الحركية التي تمر بها الجماعة، ففي مقابل الأفكار الجديدة التي يطرحها بعض قيادات الجماعة، تبدأ عملية التفكير فيها من خلال الخبرة المتراكمة للجماعة على المستوى الحركي، وتجد الجماعة في حالة تفكير في الفكرة الجديدة ربما زمنًا طويلاً، يراه البعض تراجعًا عن التجديد، ويراه البعض الآخر رفضًا للتجديد، ولكنه في الواقع اختبارٌ للفكرة الجديدة على محك الحركة.

 

وفي العديد من القضايا نجد موقفًا جديدًا للجماعة، خاصةً في الموضوعات السياسية، ثم نلحظ أن الفكرةَ تأخذ تاريخًا داخل الجماعة، بأن نجدَها تنتشر بالتدريج داخل شرائح الجماعة المختلفة، ثم نجد لها منطوقًا محددًا يتردَّد بين بعض القيادات، حتى تأتي لحظةٌ حركيةٌ ما يكون إعلان الموقف في هذه القضية ضرورةً، فنجد رؤيةً محددةً متفقًا عليها، ولها تكوينُها الواضح، وتصبح موقفًا فكريًّا وحركيًّا للجماعة.

 

وبهذا نفهم ما يظهر من أفكار جديدة من بعض قيادات الجماعة، حيث تصبح هذه الأفكار محلَّ دراسة داخل الجماعة، وقد يُتفق عليها أو لا يُتفق، وفي كل الأحوال فإن الخبرةَ الحركيةَ هي التي تنضج حالةَ الحوار الداخلي، وتحدِّد الصورةَ النهائية للفكرة، وهنا نلمح بعضَ الخصائص المميزة لجماعةِ الإخوان المسلمين، حيث نجد أن منهجَ التدرج الحركي يتوازن معه منهج التدرج الفكري.

 

ومن خلال التجديد الفكري الحركي والتدرج الحركي والفكري معًا تُحقِّق الجماعةُ توازنَها الداخلي، وهو من أهم أسباب استمرارها.