د. عبد الله فرج الله

 

بقلم: د. عبد الله فرج الله

هذا شأن الذين لا يملكون الدليل، ولا يقوون على تقديم الحجة الدامغة، التي تدعم موقفهم، وتقوِّي دعواهم، وتقنع مخالفيهم، ولما كانوا يعلمون ذلك من نفوسهم، ومن ضغف حجتهم، فإنهم يلجأون إلى أسلوب التهويش والتجييش، والصياح والصراخ، والتهديد والوعيد، حتى يلفتوا الأنظار عن ضعف روايتهم، وفساد حجتهم، وغياب دليلهم، فيأخذون الناس بهذه الضجة التي تختلط بها الأوراق، وتغيب الحقيقة بين هذا الهرج والضجيج، حيث الصخب، والعبث وقلب الحقائق، وتزويرها!!

 

والذين يملكون الحقيقة ودليلها، والمعلومة وحجتها، تلمَس الهدوء في قولهم، والطمأنينة في نفوسهم، والمنطق في فعلهم، والحكمة في تصرفاتهم، فلا صراخَ في تصريحاتهم، ولا عبثَ في تصرفاتهم، ولا سبابَ في قاموسهم، ولا اتهام وتجريح في كلماتهم.. لا يضخِّمون الصغائر، ولا يجعلون من الحبة قبة، ولا من الأمر الحقير أمرًا خطيرًا، ولا من الهيِّن البسيط شيئًا عظيمًا..

 

الذين يملكون الحقيقة، أو يدَّعون أنهم يملكونها.. يُفترض فيهم أنهم يحرصون على المصلحة العامة، أو لنقل هذا ما يجب أن يكون، فإن من يملك الحقيقة أو يدَّعيها لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يستخدمها لغرس بذور الفتنة، وإيقاظ روحها، وإشعال أوارها، وإذكاء نارها.. في بلده، في مؤسسته، في جماعته، في دولته، في..؛ لأن مثل هذا التصرف العابث الطائش لا يخدم على الإطلاق المصلحة العامة، ولا يصب في خدمة الأمة، فإن المصلحة العامة والمحافظة على الأمة، صفًّا واحدًا، ونسيجًا كاملاً.. توجب أن يحكَّم العقل، وأن تنصب راية الحكمة، ويفسح المجال للحوار الهادف البناء، الذي من شأنه أن يفسح المجال لتجاوز أي معضلة إن وجدت وأي مشكلة إن حدثت.. لا أن يفسح المجال لمن يعملون على التصيُّد في الماء العكر، الذين يحسنون النفخ في الرماد، الذي يُعمي الأبصار، ويفسد الأجواء.. ويعكر الصفاء..

 

إن إتاحة الفرصة لمثل هؤلاء يشكك في حقيقة الموقف، ويؤكد فساد الموقف، وموقف الفساد؛ لأن الحقيقة لا تحتاج لثباتها وظهورها ونصاعتها والإيمان بها لأمثال هؤلاء الردَّاحين الذين يفسدون ولا يصلحون، يقطعون ولا يصلون.. الحقيقة ليست بحاجة للذين يقسمون أبناء الوطن الواحد لمنتمٍ وغير منتمٍ، مخلص وغير مخلص، لأن الانتماء وغيره، والإخلاص وضده، لا يكون بميزان الموافقة وعدم المخالفة، أو بمكيال الموالاة وعدم المعارضة، فإن خالفْتَ فأنت متهم.. وإن عارضتَ فأنت مجرم لك أجندة خارجية.. وارتباطات مشبوهة.. إن قلت اتهمت، وإن صَمَتَّ اتهمت، وإن تحركت اتهمت، فأنت متهم على أي حال.. ما دمت في صف المعارضة.

 

لا نجد ما يسوغ هذه الضجة الكبيرة المفتعلة، التي سخر فيها الوطن، بأبنائه، ومؤسساته، لاستقواء بعضه على بعضه الآخر، ولانتصار أهله على أهله، وللنيل من صفه، وتوهين عراه، وإضعاف لحمته.. لا نستطيع فهمها، أو إيجاد ما يبررها.. وما هو النصر الذي ينتظره الوطن منها؟! وما هي الأهداف التي ينشدها الوطن في هذه الهجمة لتمتين أواصره، ورفعة شأنه؟!

 

نعم، فمن حقنا أن نتساءل: أين الوطن في هذا كله؟!

أين المصلحة في هذا كله؟!

أين العقل الراشد، بل أين صاحب الرشد في هذا كله؟!

 

في العادة يجري التجييش والتهويش في الدول المعروفة بأنها دول ديمقراطية، من قبل المعارضة، بقصد تسجيل مواقف شعبية، تشكِّل رصيدًا لها عند الانتخابات المختلفة، وهذا يحدث كثيرًا في هذه الدول، ولا يتجاوز الرد الرسمي عندئذ في هذه الدول حدود التوضيح والتبيين، وامتصاص هذه الإثارة، والعمل على تنفيسها، وسرعان ما تحتوي الموقف، ولا تعمل على الإثارة، أو التهويش والتجييش، وتسخير الإعلام ومؤسسات الدولة في ذلك؛ لأنها تدرك أن ذلك لا يخدم المصلحة العامة أو حتى الخاصة، بل ربما يكون ع