يبدو أن مجمل التطورات في الملف الكردي سوف تؤثر خلال الشهور القادمة على وضع تركيا كحليف لواشنطن والكيان الصهيوني، ذلك أن تركيا تنظر منذ عام 1991 بقلق شديد؛ نتيجة ما حدث في العراق، وخاصةً تشجيع واشنطن لأكراد العراق على التمرد على صدام حسين، ثم تابعَت تركيا بقلق شديد تطور الحكم الذاتي في شمال العراق والصراع بين الحزبَين الكرديَّين: البرزاني والطالباني ثم التوافق بجهود أمريكية بينهما نحو هدف مشترك ضد حكومة بغداد في وقت يشتد فيه الصراع العسكري بين حزب العمال التركي الكردي والحكومة التركية، واستمرار العمليات الإرهابية ضد تركيا.
وتعتقد تركيا أن تشجيع الحكم الذاتي في شمال العراق هو نقطة البداية لكابوس الدولة الكردية التي تبدأ من شمال العراق وتمتد إلى أكراد تركيا وإيران وسوريا؛ ولذلك بدأت تركيا منذ عدة سنوات تنظر جديًّا إلى مخاطر التلاعب الأمريكي بالورقة الكردية, رغم أن واشنطن أفهمت تركيا أن موقفها من أكراد العراق يختلف تمامًا- لأسباب أمريكية- عن موقفها من بقية أكراد الدول المجاورة.
وإذا كانت تركيا قد تحسَّبت بحقِّ من زحف الملف الكردي على كل أولوياتها, فإنها نظرت باهتمام شديد للسياسات الأمريكية والصهيونية المزدوجة إزاءَ مساندة الأكراد والتحالف مع تركيا، وقد لاحظت تركيا أن تحالفها مع الكيان الصهيوني خلقَ حساسيةً دون داعٍ مع الدول العربية المجاورة خاصةً سوريا, كما أن تحالفها مع الكيان كان أحد تداعيات تحالفها مع واشنطن؛ مما يعني أن اهتزاز تحالفها مع أحدهما سوف ينسحب على مجمل التحالف التركي معهما.
ولعل القراءة التركية لمجمل علاقات تركيا بواشنطن والكيان الصهيوني من منظور المشكلة الكردية لا بد أنها سوف تبرز أمامها عددًا من الاعتبارات والتطورات التي تدفعها إلى إعادة النظر في حساباتها مع الدولتين, خاصةً وأن الدولتين لا تُظهران سعادتَهما بثبات أقدام حزب العدالة والتنمية في الساحة السياسية التركية, وذلك حتى في مواجهة سلطة الجيش الذي يَعتبر نفسه ضامنًا للنظام السياسي العلماني:
الاعتبار الأول: هو قناعة تركيا بأن أمريكا والكيان الصهيوني يساندان عمليًّا بروز العامل الكردي في المنطقة بدءًا بأكراد العراق، وتأكد القلق التركي كلما اتضحت المواقف الأمريكية المنادية بتقسيم العراق؛ مما يعني في النهاية ظهور دولة كردية في الشمال تكون قاعدةً للدولة الكردية الكبرى؛ ولذلك فإن كلمة السر التي تؤرِّق تركيا هي تقسيم العراق, فأصبحت تركيا تلتقي مع الدول العربية في المحافظة على وحدة العراق وعروبتها، بل يمكن القول بأن تركيا أشدُّ حرصًا على ذلك، رغم عدم ارتياحها تاريخيًّا من أن يكون العراق أحد مراكز الفكر القومي.
وقد ظنت تركيا أن المشكلة الكردية لديها قد انسحبت إلى الصفوف الخلفية من الاهتمامات والهواجس, ولكنها ربطت ربطًا مباشرًا بين بروز أكراد العراق واستمرار النشاط العسكري لحزب العمال الذي ركَّز عملياته على جنود الجيش التركي، وهي رسالة واضحة لإحداث الفرقة بين الجيش والحكومة, ولكن تحريك الرأي العام ضيَّق هامش المناورة السياسية لدى الحكومة ووحَّد الموقف بين الحكومة والجيش والبرلمان مع شعور جارفٍ معادٍ للولايات المتحدة.
![]() |
|
كردي يترقب الأوضاع شمال العراق |
الاعتبار الثالث: هو ذلك الإحباط الذي أصاب تركيا بسبب جهود المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة، ودورها في استصدار قرار من الكونجرس؛ باعتبار مذابح الأرمن عام 1913 إبادةً جماعية, وفشل زيارة وزير خارجية تركيا في دفع الكيان الصهيوني إلى عمل شيء لصالح تركيا باسم التحالف بين البلدين, وقد صُدم الوزير التركي بشكل خاص عندما أبلغ المسئولين في تل أبيب أن القرار يسيء إلى صورة الكيان الصهيوني في تركيا, فلم يكترثوا وأكدوا له أن موقف تل أبيب الثابت هو إدانة أصحاب الهولوكوست ضد اليهود والأرمن، وقد أثار هذا القرار الأتراك ضد واشنطن والكيان الصهيوني؛ مما أحرج الحكومة التركية في ضوء تحالفها معهما.
الاعتبار الرابع: هو صدور التقرير السنوي للاتحاد الأوروبي لعام 2007 والذي يشير إلى تراخي الإصلاحات في تركيا؛ بسبب الأزمة الدستورية الناجمة عن انتخاب الرئيس من خلفية إسلامية؛ مما اعتبرته الأوساط الأوروبية والتركية ضربةً قاصمةً في توقيت سيئ لآمال تركيا في الانضمام إلى الاتحاد.
فهل تدفع هذه التطورات تركيا إلى إعادة النظر في تحالفاتها مع واشنطن والكيان الصهيوني, وفي جدوى هذه التحالفات في الوقت الذي لم تفلح في مساعدة تركيا في أزمتها مع الأكراد, وتغير الظروف التي كانت مبررًا لمثل هذه التحالفات؟!
لا شك أن هذه الاعتبارات سوف تدفع تركيا إلى إعادة النظر في حساباتها مع تحالفها الصهيوني والأمريكي, في ضوء أزمتها الحادَّة في أدق قضايا أمنها القومي؛ مما قد يدفع تركيا ولو بالتدريج من مواقعها الحالية صوب العالم العربي, وهذا الاحتمال بالذات يمكن أن يكون ورقةً تركيةً رابحةً في الضغط على الكيان الصهيوني وأمريكا في هذا المجال, ويبدو أن الطرفين- التركي من ناحية والأمريكي والصهيوني من ناحية أخرى- سوف يجدان صعوبةً كبرى في التوصل إلى صيغة مرضية تمامًا لهما.
