الخرطوم- عواصم- وكالات الأنباء

في تطور سياسي مهم قد يؤدي إلى بعض الهدوء والاستقرار في إقليم دارفور المشتعل غربي السودان؛ وصل عددٌ من كبار فصيل الزغاوة في حركة تحرير السودان الذي يتزعمه ميني أركوي ميناوي، من دارفور إلى العاصمة السودانية الخرطوم يوم أمس الأحد 18 من يونيو، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها منذ التوقيع على اتفاق أبوجا للسلام في دارفور في شهر مايو 2006م الماضي، وسط إجراءات أمنية مُشددة مع بداية تنفيذ الاتفاق، من جهة أخرى لا تزال حالة من الضبابية تسود موقف الخرطوم من مسألة استبدال قوات حفظ السلام الأفريقية العاملة في الإقليم بأخرى دولية، رغم مهمة وفد الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن الدولي الحالية هناك.

 

ونقلت وكالة (رويترز) للأنباء عن المتحدث باسم الاتحاد الأفريقي في الخرطوم نور الدين مزني تصريحاتٍ قال فيها: "من المهم وجود الموقِّعين على اتفاق السلام في دارفور هنا؛ لأن وجودهم سيكون أمرًا بالغَ الأهمية لإبداء حسن النية في التنفيذ"، وأضاف مزني قائلاً: "الآن سنبدأ معهم العملَ الحقيقي لتنفيذ اتفاق السلام في دارفور، وهو أمر بالغ الأهمية".

 

حيث تأخر تنفيذ الاتفاق عن الجدول الزمني المُحَدَّد له مع عدم تعيين مستشار رئاسي من دارفور، وعدم تشكيل السلطة الانتقالية للإقليم حتى الآن، وفي هذا الإطار فمن المقرر أن يشكل وفد فصيل ميناوي هذه السلطة الانتقالية للإشراف على تنفيذ اتفاق أبوجا وتنمية المنطقة، بعد سنوات من الإهمال والخراب بفعل الحرب الأهلية.

 

ولكن ميناوي لم يصلْ مع الوفد رغم صدور مرسوم رئاسي يمنح جميع المُوَقِّعين على الاتفاق عفوًا لتبديد المخاوف من إمكانية قيام الحكومة باعتقالهم، وبقي ميناوي في المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين في دارفور، ورفض أعضاء قيادة الفصيل مقابلة الصحفيين في المطار وفضلوا الانطلاق بسرعة إلى الفندق الحكومي المخصص لهم.

 

ونقلت إخبارية (الجزيرة) الفضائية عن رئيس الوفد محمد التيجاني الطيب تصريحات حول عدم وصول ميناوي إلى الخرطوم قال فيها: "إن الحركة اتخذت قرارًا بتقليص وفدها للخرطوم"، بسبب ما دعاه بـ"عدم تلبية الحكومة لمطالبها بإطلاق سراح معتقلي الحركة".

 

وبرغم أهمية هذه الزيارة، فسوف يكون يوم 22 يونيو الحالي هو الموعد الأكثر أهميةً في مسيرة التسوية في الإقليم، حيث سيَتَعَيِّن على الحكومة السودانية أن تقدِّمَ للاتحاد الأفريقي خطةً واضحةً مزودةً ببرنامج زمني لنزع سلاح ميليشيات الجنجاويد المنتشرة في الإقليم، والتي تقوم بتنفيذ غارات وأعمال نهب وقتل واغتصاب داخل دارفور.

 

وفي شأن سوداني متصل، قال الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إنه يأمل أن تدعم الحكومة السودانية عملية نشر قوات دولية في دارفور، وذلك في تصريح عنان للصحفيين في أعقاب لقائه مع رئيس الوزراء الدنماركي أندرياس فوج راسموسن في كوبنهاجن اليوم الإثنين 19 من يونيو 2006م، حيث يزور فريق من الأمم المتحدة السودان لدراسة إمكانية تسليم مهمة قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي للأمم المتحدة.

 

وأكد عنان- في تصريحاته التي نقلتها (الجزيرة)- أن مجلس الأمن لم يُصْدِر قرارًا بعد بشأن هذه القوة، وأن السلطات السودانية لم تعربْ عن دعمها لتلك القوة، وقال: إن هناك محادثاتٍ ثلاثيةً سوف تُجْرَى بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والحكومة السودانية حول هذه المسألة.

 

وكانت الحكومة السودانية قد ربطت قرارَها النهائيَّ في هذا الشأن بما سوف تُسْفِر عنه نتائج عملية البحث والتقييم التي أجرتها البعثة الأممية في الخرطوم والإقليم المضطرب.

 

وقد حذرت الحكومة السودانية من أن دارفور ربما يصبح موئلاً لتنظيم القاعدة إذا ما أصرَّ مجلس الأمن الدولي على إرسال قوات دولية دون موافقة الخرطوم والقبائل الأخرى الرافضة لأي وجود أجنبي في دارفور، واعتبر وزير الداخلية السوداني الزبير بشير طه أن نقل التفويض الممنوح للاتحاد الأفريقي إلى الأمم المتحدة "سيمثل انتهاكًا واضحًا للسيادة الوطنية"، فيما حذَّر والي ولاية جنوب دارفور الحاج عطا المنان مما أسماه بـ"صوملة السودان".

 

غير أن حركة تحرير السودان- جناح ميناوي- تصر على ضرورة وجود قوات دولية لحماية مواطني الإقليم من هجمات الجنجاويد، وأصدر الناطق الرسمي باسم رئاسة الحركة محجوب حسين بيانًا قال فيه إن الحركة غير مستعدة للتنازل عن طلب القوات الأممية "مهما كان"، حيث كان ميناوي قد هدد بالعودة للحرب والانسحاب من اتفاق أبوجا في حال عدم الاستجابة لذلك المطلب.

 

والأقرب للاحتمال أن يُوصِي تقرير البعثة الأفريقية- الدولية المشتركة بضرورة وجود قوات دولية في الإقليم، كما تتوقع المعارضة السودانية، حيث تَوَقَّع أولاً أمين العلاقات الخارجية بحزب المؤتمر الشعبي السوداني المُعَارِض محمد الأمين خليفة موافقة الحكومة على ذلك، ولكن بشروط "تحفظ هيبتها أمام المواطن السوداني"، ونقلت (الجزيرة) عنه قوله "إن رفض الحكومة غير مُبَرَّر" طالما أن  كل الأطراف موافقة على ذلك بما فيها الاتحاد الأفريقي نفسه.

 

من جهته قال الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي السوداني يوسف حسين: "إن الرافضين لوجود قوات دولية ربما يكونون متورطين في كامل الأزمة بالإقليم، مما يدفعهم للرفض الكامل وعدم التنازل عن مواقفهم"، وذكر أن الحكومة لم تستجب من قبل لنداءات المعارضة بشأن ما دعاه بـ"خارطة الطريق" التي رسمتها المعارضة السودانية من أجل حل الأزمة عبر الوسائل السلمية، مما أدى من وجهة نظره لفرض الحل الإقليمي والدولي، مُدَّعيًا أن القوات الدولية سوف تصل إلى دارفور بناءً على رغبة مواطني الإقليم؛ لأنها "قوات تمثل الشرعية الدولية".

 

أما رئيس اللجنة التنفيذية للتجمع الوطني الديمقراطي فاروق أبو عيسى فقد قال: "إن الجميع يرفضون وجود قوات دولية بالبلاد، لكن الواقع يفرض هذا الوجود بعدما فشلت الحكومة في حل الأزمة داخليًّا"، أو توفير الحماية لمواطني الإقليم.