بقلم: د. رفيق حبيب
يبدو أن طريق الاستسلام يبدأ بخطوة، ولا ينتهي إلا بالاستسلام الكامل، فالتنازل الأول يقود لما بعده من تنازلات، ولا تتوقف مسيرة التنازل إلا بالتنازل الكامل عن القضية، تلك هي وقائع ما يدور في الصراع العربي الصهيوني، فالطريق الذي بدأ بأوسلو لا ينتهي إلا بالتنازل عن كل حقوق الشعب الفلسطيني، والقوى التي تبدأ طريق التنازل والاستسلام لا تستطيع إنقاذ نفسها ولا تستطيع التراجع، ويبدو أنها لا تستطيع التوقف عن التنازل.
مسيرة حركة فتح تمثل نموذجًا مهمًّا لتلك الحالة، والتي تبدأ بالنضال المسلَّح، وتنتهي بالتنازل منزوع السلاح، فالحركة مثَّلت واحدةً من حركات النضال الفلسطيني في وجه الاستعمار الصهيوني، ولكنها عندما بدأت مسيرة التفاوض السلمي لم تستطع جعْلَ التفاوض وسيلةً للنضال السياسي، بل جعلته وسيلةً للتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني، وربما بدأ الأمر بالاعتراف بالكيان الصهيوني، والاعتراف بحق ذلك الكيان في الوجود؛ ولأن الاعتراف شمل دولة عدوان ليس لها حدود متعارَفٌ عليها ولا تقوم على الاعتراف المتبادل بحقوق الآخرين لذلك كان الاعتراف بالكيان الصهيوني هو بداية طريق التنازل.
فدولة الكيان الصهيوني ليس لها حدود شرعية، بل حدودها تتوقف على قدرتها على فرض نفوذها العسكري، أي أن حدودها تتمثل في مساحة الأرض التي تستطيع احتلالها وتأمين سكانها داخلها، ولهذا فالاعتراف بدولة لها حدود تتشكل من خلال العدوان يمثل أولى المشكلات التي وقعت فيها حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ حيث بات الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني يعطيها شرعيةَ البقاء على أي حدود آمنة تراها.
وتلك هي المشكلة، فالبداية لم تقم على أي حقوق تاريخية ولا أي قواعد عادلة، ولكنَّ البداية كانت التنازل بدون مقابل وبدون اعتراف بالحق الفلسطيني، وهو يتمثل في حق الشعب الفلسطيني في العيش على كامل تراب أرض فلسطين، أيًّا كانت التقسيمات السياسية، والعدو الصهيوني جعل كل الحقوق الفلسطينية مؤجلةً للحل النهائي، وسميت بقضايا الحل النهائي، أما ما تصوره عن حقوق الكيان الصهيوني فجعله شرطًا للتفاوض، فأصبح على المفاوض الفلسطيني الاعتراف بالكيان الصهيوني وإعطاؤه الحقوق التي اغتصبها لنفسه، وتأجيل كل حقوق الشعب الفلسطيني لمفاوضات الحل النهائي، والتي لم تأتِ حتى الآن.
وفي مسيرة التنازل الفلسطيني والذي قادته حركة فتح طُلب من ياسر عرفات الموافقة على الحل النهائي في التصور الأمريكي والصهيوني، ولم يجد الرئيس الراحل في هذا الحل إلا استسلامًا كاملاً، فترك كامب ديفيد الثانية عندما علم بالثمن الباهظ المطلوب دفعه، وهو ثمنٌ بلا مقابل في الواقع.
وعندما عاد عرفات إلى رام الله وبدأت الانتفاضة الثانية كان من الواضح تأييد عرفات للانتفاضة، وتأييده للجناح العسكري لحركة فتح والمتمثل في كتائب شهداء الأقصى، وهنا علم ياسر عرفات أن طريق التسوية يقود إلى الاستسلام الكامل، فأصبح شخصًا غيرَ مرغوب فيه من الجانب الصهيوني والأمريكي، وراح عرفات ثمنًا لموقفه، رغم أنه هو الذي بدأ مسيرة التسوية والاستسلام، ولكنه لم يقدِر على الاستمرار في هذا الطريق، فكان السمّ هو وسيلة التخلص منه.
وعندما جاء محمود عباس إلى السلطة- وهو الشريك الذي قبله الأمريكان والصهاينة- لم يحدث أي تقدم في مسيرة التسوية، بل لم يقبل الكيان الصهيوني بمحمود عباس شريكًا فلسطينيًّا في التفاوض، والأمر هنا بات واضحًا، فليس لدى الكيان الصهيوني أو الإدارة الأمريكية إلا ما قُدم لياسر عرفات في كامب ديفيد وما قُدِّم ليس إلا خطة الانفصال أحادي الجانب التي بدأها أرييل شارون ويكملها إيهود ألمرت.
وفي هذه الأجواء انتصرت حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وظهر بديلٌ جديدٌ بتأييد شعبي واضح هو البديل عن مسيرة التنازل والاستسلام، ولكن قيادة حركة فتح جعلت معركتها الأولى هزيمة حركة حماس، وبدأت تتصرف بالفعل وكأنها تُعادي حماس أكثر من معاداتها للكيان الصهيوني، وموقف قيادة حركة فتح وصل إلى مرحلة حرق الأرض أمام حركة حماس، حتى وإن كانت هذه الأرض هي أرض فلسطين المحتلة، والموقف في الواقع يبدو غريبًا؛ لأنه يقود لحربٍ أهلية، وإن لم يؤدِّ إلى ذلك فهو سيؤدي إلى شقِّ الصف الفلسطيني.
والحصار الغربي على حماس يجد قبولاً لدى قيادة حركة فتح، بل يجد تعاونًا منها، ولا نستبعد أن تكون قياداتُ حركة فتح قد ساهمت في تشجيع عملية حصار حركة حماس، رغم أنه في الواقع حصارٌ للشعب الفلسطيني أكثر من كونه حصارًا لحركة حماس، ولكنَّ الواقع يؤكد أن قيادة حركة فتح أصبحت تدافع عما قدمته من تنازل، وتريد التأكيد أنها فعلت أفضل ما يمكن، وهنا تغيب القضية تمامًا، وتصبح المعركة بين المستسلم والمقاوم، يحاول فيها المستسلم فرضَ استسلامه على الجميع، ويحاول هزيمة المقاوم أيًّا كانت النتائج.
وهذا يُعيدنا مرةً أخرى إلى مرحلة جديدة من مراحل الاستسلام؛ حيث إن قيادة فتح تريد إزاحة حركة حماس من طريقها، وإفشال مساعيها السياسية، حتى تقول إن منهج فتح السياسي هو الوحيد الصحيح، وذلك رهانٌ خاسرٌ؛ لأنه لم يبقَ أمام قيادة فتح إلا الموافقة على خطة الفصل الأحادي الجانب، سواءٌ بوصفها حلاًّ نهائيًّا أو بوصفها بدايةً لدولة فلسطينية مؤقتة.
والكيان الصهيوني ليس لديه ما يقدمه إلا ما يخدم أمنَه؛ لأنه لا يؤمن أصلاً بأي حق فلسطيني، ولم يُطلَب منه اعترافٌ بأي حق فلسطيني عندما اعترفت منظمة التحرير بالكيان الصهيوني.