بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل
لا يزال الجدل محتدمًا حول ما إذا كانت المبادرة الأمريكية الغربية إزاء الملف النووي الإيراني مناورةً أمريكيةً أم أن هذه المبادرة مؤشرٌ على تغيُّر إستراتيجي حقيقي في الموقف الأمريكي من الملف الإيراني.
كذلك تحاول الولايات المتحدة استنفاد كلِّ الفرص مع إيران، حتى إن وزيرة الخارجية الأمريكية لم تستبعدْ لقاءاتٍ أمريكيةً إيرانيةً على المستوى الوزاري، أي مفاوضات ثنائية وليس مجرد وجود الولايات المتحدة في المفاوضات مع الترويكا الأوروبية، وهذا تطورٌ كبيرٌ أغرى بعض المعلقين بالمضي بعيدًا بالتأكيد على أن الولايات المتحدة أصبحت مستعدةً لمفاوضات مباشرة مع إيران حول كافة الملفات، مما يعني أن واشنطن تقر بمكانة إيران وجدارتها بالتعامل معها بعد أن رفضت الاعترافَ بنظامها منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، وظلَّ الصراع قائمًا بينهما حتى الآن.
ولم يعلِّق هؤلاء المراقبون أهميةً كبيرةً على الموقف الصهيوني ما دامت المصلحة الأمريكية تتطلَّب ذلك، وما دام التقارب الأمريكي الإيراني وجد العوامل الموضوعية اللازمة، وما دام هذا التقارب يؤدِّي إلى ترويض إيران وتخلِّيها عن سلاحها النووي المروع للكيان الصهيوني، وقد يؤدِّي هذا التقارب إلى ما هو أبعد، مما ينسجم مع المصالح الصهيونية، وهذا الاحتمال والتفسير مقبول صهيونيًّا، ولكنَّ الوجهَ الآخرَ للمبادرة الأمريكية ومحاولات استنفاد كلِّ طرف للاقتراب من إيران هو أن هذا الأسلوب الأمريكي يقصد إلى دفع كلِّ الدول الكبرى- بما فيها روسيا والصين- إلى الانضمام إلى التحالف الدولي الشامل ضدَّ إيران، إن رفضت المبادرة الأمريكية، وبذلك تقضي على كلِّ معارضة أو نقد لسياستها، ومن ناحيةٍ ثالثة، نعتقد أن واشنطن تواجه ورطةً كبيرةً مع إيران، لأنه حتى مع تكتيل المجتمع الدولي كلِّه ضد إيران، فإن وجودَ قراراتٍ عسكريةٍ لدى إيران وقدرتها على استخدامها يضع الولايات المتحدة في مأزقٍ كبيرٍ، خاصة إذا كان لديها قراراتٌ نوويةٌ، وتستخدمها ضد القوات الأمريكية أو ضد الكيان الصهيوني، وموضوع هذه المقالة يركِّز على التداعيات التي تنشأ عن قبول إيران للمقترحات الأمريكية، غير أن أهمَّ هذه التداعيات يمكن فهمها بشكلٍ أوضحَ إذا وضعنا المبادرةَ الأمريكيةَ في إطار نظرية الخيارات الأمريكية المتاحة أمام إيران، فقد جرَّبت الولايات المتحدة عزلَ إيران وتشويه صورتها وفرض العقوبات عليها، بل ودَفْع أوروبا عبثًا إلى الانضمام للعقوبات الأمريكية، كذلك حاولت واشنطن مداعبة شطر من المجتمع الإيراني، وهو ما أسمته الأدبيات الأمريكية المعتدلين والإصلاحيين، ولكن واشنطن اعتبرت النجاحَ المفاجئ لأحمدي نجاد هزيمةً للاتجاه الإصلاحي، وهو مفهومٌ أمريكي يخضع للمعايير الأمريكية، ولا بد أن واشنطن قد لاحظت أن طهران تمارس قواعد اللعبة السياسية، وأنها ترسل الإشارات، ولكن واشنطن ظلت تتجاهلها أملاً في أن تحقق واشنطن أهدافها دون مقابل أو تنازلات منها، بقي منهجان أمام الولايات المتحدة، أولهما ما تسميه الأدبيات السياسية الأمريكية بالارتباط المشروط، أي باللغة الدارجة سياسة الحزمة التي تتضمن فوائد التقارب ومقابل التنازلات في تسوية شاملة أو صفقة شاملة، وثاني هذين المنهجين هو استخدام القوة المسلَّحة، في المنهج الأول تهدف واشنطن إلى تغيير سلوك النظام وتطويعه، أما في المنهج الثاني فتهدف واشنطن إلى استخدام القوة لتغيير النظام نفسه.
ويضرب الأمريكيون مثلاً للمنهج الأول السودان، التي تعاونت مع الولاياتِ المتحدة وفق الخطة الأمريكية لمقاومةِ الإرهاب، ثم لتسويةِ قضية الجنوب، وأخيرًا للسلام في دارفور، حيث قايضت الخرطوم تنازلاتها بالضغوط الأمريكية، كما يضربون للمنهج الثاني مثلاً ما حدث في العراق بإسقاط نظام صدام حسين، وقد أشار فلاينت ليفريت- رجل السياسة والمخابرات الأمريكي في كتابه "وراثة سوريا.. اختبار بشار بالنار" الصادر عام 2005 من معهد بروكينجزو الذي أُعِد خصيصًا بناءً على طلب مارتن أنديك مدير المعهد والسفير الأمريكي اليهودي السابق في الكيان الصهيوني، والذي كافأته مادلين أولبريت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة على تجسسه لصالح الكيان الصهيوني بنقلِه إلى واشنطن وتعيينه مساعدًا لوزيرة الخارجية لشئون الشرق الأوسط، وهي نفس المهمة التي يتولاها الآن دافيد والش- أشار ليفريت إلى أن واشنطن يجب أن تجرِّبَ مع سوريا منهجَ الارتباط المشروط، والذي لا نظن أن واشنطن مهيأةً نفسيًّا له في الوقت الحاضر، خاصةً وأن عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية واستمرار سيطرة وزارة الدفاع نسبيًّا حتى الآن على قرارات السياسة الخارجية يجعل تجربة هذا المنهج صعبة.
ونحن نعتقد أنه في الحالة الإيرانية ربما تعرض واشنطن منهج الارتباط المشروط ليس لتنفيذه، ولكن لكي تعد العدة تمامًا لضرب إيران، رغم أن واشنطن تناشد إيران قبولَ المبادرة واستبعاد المواجهة معها، وهي لغةٌ غريبةٌ على الإدارة الأمريكية تدل إما على مأزق واشنطن أو على اقتراب ضرب إيران، وإذا صحَّ ذلك، فلا بد أن يكونَ تصريح الرئيس الإيراني بأنه سيعطي فرصةً لدراسة المقترحات الغربية قد أزعج واشنطن تمامًا كما أزعجها مؤشرات قبول صدام حسين بالوساطات التي جرت لكي يقبل الانسحاب من الكويت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة 90-1991، لأنَّ قبول العراق بالانسحاب يحبط المخطط الأمريكي الهادف إلى ضرب العراق والتواجد في الخليج انتهاءً باحتلال العراق نفسه.
على أية حال، إذا قبلت إيران المقترحات الغربية ترتَّب على ذلك في البداية أن إيران لن يُقدَّر لها حيازة سلاح نووي؛ لأنها سوف تكون خاضعةً للإشراف الدولي والأمريكي والتفتيش المستمر، أما من الناحية السياسية فإن شكلاً من أشكال الشراكة السياسية بين إيران وواشنطن سوف ينشأ في الخليج وأفغانستان، وخاصةً في العراق، مما يؤدِّي إلى تواجد إيراني رسمي في العراق، وتقسيم العراق ومناهضة الطابع العربي فيه، ولكنَّ هذه الشراكة سوف تضع قيودًا على سياسة إيران في الخليج، وسوف تضحي واشنطن بحقِّ الإمارات العربية في الجزر، كما أن إيران سوف تغيِّر مواقفها من حزب الله وسوريا، وتعدِّل موقفها في القضية الفلسطينية ومن حماس، وهذه كلها مكاسبُ هائلةٌ للولايات المتحدة لصالح الكيان الصهيوني لم تتمكَّن من تحقيق أيٍّ منها حتى الآن، كما ستوفِّر للكيان الصهيوني التفردَ بالسلاح النووي، ولكنَّ مثل هذه التسوية لن تكونَ نهايةَ المطاف في نظر واشنطن، وإنما سوف تكون بدايةً لالتصاق أمريكي بإيران.
ونحن نعتقد أنه لا يمكن التعايش الكامل بين حكومة الثورة الإسلامية والولايات المتحدة، وسوف تسعى واشنطن إلى إعادة إيران إلى مرحلةِ ما قبل هذه الثورة، فليس سرًّا أن واشنطن عازمةٌ على أن تعتبرَ مرحلةَ الثورة الإسلامية جزءًا من تاريخ المنطقة، ولكن سياسات هذه الثورة في التحليل الأخير أسهمت فيما وصلت إليه السياسات الأمريكية في المنطقة من مكاسب.
إنَّ العرض الغربي يتطلَّب دراسةً دقيقةً من إيران في حساب المحاذير والفرص والمخاطر، لأن الرفض أو القبول كليهما يحددان الكثير بالنسبة لإيران في هذه المواجهة الفاصلة.