د. عمرو الشوبكي

 

مدهشةٌ حقًّا تصريحات رئيس الوزراء المصري التي أطلقها مؤخرًا في ختام أعمال منتدى شرم الشيخ العالمي، حين أكد على أن مصر دولةٌ علمانيةٌ، وأنها ترفض مشروع الإخوان المسلمين في إقامةِ دولةٍ دينيةٍ، ودعا إلى التحقق من صفة المرشحين في الانتخابات التشريعية القادمة لمعرفة ما إذا كانوا يحملون فصائل "دم إخوانية" أم لا، مطالبًا باستبعاد المستقلين من الذين لا يهرولون إلى الحزبِ الحاكم عقب إعلان النتائج، من الترشح في الانتخابات التشريعية.

 

وتعد هذه المرة من المرَّات النادرة منذ العقود التي يتحدث فيها أحد رؤساء الوزراء في أمر سياسي، ولأنَّ الرجلَ اضطر إلى أن يتكلمَ في السياسة بعد أن أصبحَ رئيسَ وزراء، فلم يتابع ما توافقت عليه النخبة السياسية المصرية (الغريب عنها) من تبني تعبير الدولة المدنية والدستور المدني عوضًا عن لفظ علماني لما له من صدى سلبي في نفوس قطاعات واسعة من المصريين يبدو فيها أنه ضد الدين.

 

والمدهش أيضًا أن جماعةَ الإخوان المسلمين أعلنت بصورة واضحة أنها لا تطرح رؤيةً دينيةً ولا ترغب في بناء دولة دينية، إنما هي تقدِّم رؤيةً سياسيةً مدنيةً للإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي، وأيًّا كان الموقف من هذه الرؤية فإن ضمانة التزام الإخوان المسلمين بها لن تكون عبر إنشاء محاكم تفتيش، تبحث في النوايا والظنون، وتكشف عن مرشحي الشعب لمعرفة ما إذا كانوا أُصيبوا "بداء الإخوان" أم لا، إنما عبر مؤسسات قوية تحرس الدستور والنظام الجمهوري، وتبدأ بوجود سلطة قضائية نزيهة ومستقلة، وجهات رقابية تعمل بشفافية واستقلال، وسلطة تشريعية تراقب بفاعلية أعمال (وانحرافات) السلطة التنفيذية.

 

ويبدو أن معضلة تلك الحملة التي يقوم بها النظام ضد الإخوان تتعلَّق بوهم الدولة العلمانية التي يدافع عنها رئيس الوزراء، فالحقيقة أن هذه الدولة المدنية تكاد تكون غير موجودة في الواقع العملي، ليس بسبب الإخوان المسلمين، وإنما بسبب رجال الدين الرسميين الذين أطلقتهم الدولة على عقول الشعب المصري، فحاصروا الفكرَ والإبداعَ برقابة أزهرية صارمة، وشغلوا الناس بعذابِ القبرِ وبصوتِ المرأةِ العورة والغضب الإلهي على دول شرق آسيا، والتنطع على عقائد الآخرين (كمطالبة المسيحيين مثلاً بأن يلتزموا بالرؤيةِ الإسلاميةِ عند كتابة فيلم عن السيد المسيح)، وظلَّت دولة نظيف العلمانية سعيدةً بشيخ الأزهر الذي جرى خلف الصحفيين في محاولة للاعتداء عليهم، أو بتصريحات المفتي التي تحرِّم النحتَ والتماثيل، وغيرها من الأفكار الدينية شديدة الانغلاق والتعصب التي ترددها المؤسسة الدينية الرسمية وحوَّلت معها أجزاء مهمة من بقايا الدولة المدنية إلى دولة فتاوى ورجال دين ودراويش.

 

وإذا كان من المؤكد أن الإخوان المسلمين لم يكونوا في أي مرحلةٍ من مراحلهم تيارًا مناصرًا للفنِّ والإبداع، ولا يمكن إلا اعتباره تيارًا محافظًا، من المؤكد أنه أكثر استنارةً من رجال الدين الرسميين، بل وحتى من الجمهور المستقبِل للخطاب الديني الرسمي الذي هيمنت على عقله ثقافة قدرية شديدة الركود كبديل عن ثقافة المبادرة والعمل.

 

وتبدو مشكلة الحكومة مع الإخوان في الشق السياسي للجماعة، أي في الجانب الإيجابي الذي نجح الإخوان في بنائه عبر رحلة طويلة من الصعاب والعرق نجحوا خلالها في بناء تنظيم سياسي محكم وحديث، خاض الانتخابات التشريعية الأخيرة واكتفى بالحصول على ٨٨ مقعدًا من مقاعد البرلمان.

 

ويبدو أن دور الإخوان من أجل تثبيت أركان النظام وتسهيل عملية ميلاد البديل الذي يعد منتهيًا، فقد كان مطلوبًا منهم أن يظهروا أمام الخارج باعتبارهم البديلَ الوحيدَ للنظام القائم، فيحصل الأخير على بعض بركات الإدارة الأمريكية لتسمح له بمزيدٍ من المناورةِ والتملص من عملية الإصلاح السياسي، حتى يكتمل إعداد ملف التوريث في ظل مشهد سياسي لا يبدو منه أن هناك أي بديلٍ للنظام القائم إ