يحاول النظام الحاكم الدخول في معركة أخيرة مع جماعة الإخوان المسلمين، الهدف منها هو منع النشاط السياسي للجماعة تمامًا، وهذه العملية في الواقع سيكون لها تأثيراتٌ كبيرة، ليس على الإخوان المسلمين فقط، بل على مجمل العملية السياسية في مصر، وتدور المعركة حول حق الترشيح للانتخابات البرلمانية للمستقلين، مما سمح لجماعة الإخوان المسلمين بالحصول على خُمس مقاعد البرلمان، وتكوين كتلة برلمانية معارضة، هي الأكبر في النصف قرن الأخير، رغم عدم اعتراف مجلس الشعب رسميًّا بهذه الكتلة.
والمعركة تدور حول انتخابات عام 2010م، أو قبلها إذا تمَّ حل البرلمان، ويريد النظام الحاكم تحجيم دور المستقلين في الترشيح، بمنعهم تمامًا، أو بقصر ترشيحهم على نصف مقاعد البرلمان، وإعطاء الأولوية في الفوز لمرشحي الحزب الفائز بأكبر عدد من الأصوات.
وأيًّا كانت الصيغة التي سيكون عليها التعديل الدستوري والقانوني، إلا أنها في النهاية سوف تحصر التنافس السياسي في انتخابات البرلمان المصري على الأحزاب المسجلة رسميًّا. وحيث إن النظام السياسي الحاكم يسطر على تأسيس الأحزاب السياسية، بل ويسيطر أيضًا على بقاء نشاطها من خلال الأساليب المختلفة لاختراق الأحزاب وتجميدها، لهذا يتمكَّن النظام من حصر منافسيه في القوى التي يقبل التنافس معها، والتي يعلم ضمنيًّا قدرته على التفوق عليها، بأي أساليب كانت.
فإذا مُنِع الإخوان من تشكيل حزب، وحرموا من الفرصة المتساوية مع الأحزاب في الترشيح للانتخابات، ثم مُنِعوا بقوة القانون من تشكيل كتلة لأعضائهم الفائزين في الانتخابات، بهذا يمكن للنظام تحييد الدور السياسي للجماعة، أو منعه تمامًا، والواقع أن مثل هذه القيود ليست سهلةً ولا عملية، ولكنَّ النظامَ يريد تعديل الدستور ليتيحَ له وضع قانون لمباشرة الحقوق السياسية وللانتخابات مجلس الشعب، تحفل بالقيود على المرشح المستقل.
والنظام يرى أهمية قصر العملية السياسية على الأحزاب، وهو يسيطر على عملية تأسيسها، كما يستطيع التدخل لحل الحزب الذي لا يوافق على مواقفه السياسية، أو الذي يمكن أن يمثل تهديدًا له، وتلك المعركة لا تقتصر على الإخوان المسلمين، بل الهدف منها الوصول إلى حالة منع سياسي كامل لكل القوى الإسلامية الفاعلة الآن، أو في المستقبل.
فالنظام في الواقع يرى أهمية تحقيق عزل سياسي للتيارات الإسلامية، بحكم القانون والدستور، وهو في هذا يريد تأسيس جمهورية علمانية، لم تؤسَّس في الواقع العملي منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952م، حيث ظل الدين فاعلاً في كل المراحل، ولكنَّ النظام كان وما زال يسيطر على الفضاء الديني، ويوظفه لصالحه، ولكن الموقف الراهن الآن يعمل على عزل الدين عن المجال العام، على نمط علماني غربي، يهدف في النهاية إلى تنحية كل القوى الإسلامية عن العمل السياسي، وجعل المجال السياسي معزولاً عن التأثيرات الدينية، وقاصرًا على القوى العلمانية، والتي يقبلها النظام داخل العملية السياسية.
وتلك العملية برمتها تعتبر تصعيدًا خطيرًا ضد القوى الإسلامية، خاصةً جماعة الإخوان المسلمين، فهي تؤدي إلى حرمان المنتمين للتيار الإسلامي، ومنهم أعضاء الإخوان المسلمين، من حقوقهم السياسية كمواطنين مصريين، وكأن كل من ينتمي لفكر سياسي إسلامي، ليس له الحق في ممارسة العمل السياسي، بأي صورةٍ من الصور، وبهذا تحاصر التيارات الإسلامية، فتمنع من تأسيس أحزاب سياسية، ثم تمنع من ممارسة دورها من خلال الترشيح كمستقلين.
وتلك الفكرة في مضمونها الحقيقي تعني الحكمَ على فكرٍ سياسي معين، بأنه خارج القانون والدستور، فكل مَن ينتمي لهذا الفكر يجوز تطبيق العزل السياسي عليه، وهذا يعني ضمنًا، أن النظام الحاكم بصدد تغيير دور الدين في حياة المصريين، خاصة في النظام العام، بما فيه الدستور والقانون والنظام السياسي، مما يعني أن المعركةَ سوف تشمل الدين، ولا تتوقف على المنتمين لتيار إسلامي سياسي، بل سوف تمتد لكل المنتمين للفكرة الدينية الشاملة، أي المؤمنين بتطبيق الدين في الحياة العامة.
وعلى جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من التيارات الإسلامية أخذ تلك المعركة على محمل الجد، والبحث عن بدائل لأي وضعٍ قانوني سيحاول النظام تطبيقه، وربما تكون هناك بدائل لكل وضع دستوري أو قانوني، إلا إذا اشتمل الدستور على منع التيارات الإسلامية، أو الدينية عمومًا من العمل السياسي، ورغم أن ذلك أمرٌ مستبعد منطقيًّا، إلا أنه غير مستبعد على النظام الحاكم في مصر.
وربما يكون الترشيح من خلال أحزاب قائمة أو دخول في حزب قائم وسيلةً للالتفاف حول ما سيتم من إجراءات، ولكن كل تلك الوسائل ليست كافيةً لتحريك العملية السياسية ومنع فرض الاستبداد السياسي بقوة القانون، ولهذا يكون أمام الإخوان المسلمين وغيرهم من التيارات الإسلامية طريق واحد هو الضغط الشعبي لمنع التلاعب بالأسس الدستورية والقانونية التي يقوم عليها النظام الحالي، ومحاولة فرض التغيير للأفضل، أو على الأقل منع التغيير للأسوأ.
والمعركة لن تكون هينةً، حيث إنها مدعومةٌ من القوى الغربية، ومدعومة أيضًا من النخب المتغربة المحلية. ولهذا فالنظام سيجد غطاءً خارجيًّا، وسيجد نخبًا يحشدها في معركته، ولكن الجماهير لن تكون معه، خاصةً وأن المسألة الدينية حساسةٌ لدى الناس، وعزل الدين عن الحياة وعزل التيارات الإسلامية ذات الجماهيرية الواسعة ليس أمرًا سهلاً، والمطلوب أن تكون الجماهير طرفًا فاعلاً في تلك المعركة، وعلى الإخوان المسلمين الاستعداد لهذه المعركة بأكبر حشدٍ جماهيري.