الخط الفاصل بين نطاق القانون الدولي والداخلي وبين الاهتمام الدولي والداخلي يتغير كل يوم بسبب عاملين: الأول هو العولمة التي جعلت فكرة المجتمع الدولي خاصةً الشرق منه حقيقةً واقعةً تنفصل رويدًا رويدًا في كلِّ دولةٍ عن السياساتِ الوطنية التدخلية لحكوماتها، والعامل الثاني هو شعور الإنسان في أي مكانٍ بالتفاعلِ مع معاناةِ الإنسان على امتدادِ المعمورة، سواءٌ على المستوى الإنساني أو المستوى السياسي.
والقضية التي نُثيرها اليوم باختصارٍ هي أنه إذا كان الغرب قد ارتبط تاريخ علاقاته بالشرق بابتداع أساليب وذرائع للتدخل في شئون الدول الأخرى، خاصةً الذرائع الإنسانية، فإنَّ النظمَ المستبدةَ في الشرق قد تحصَّنت بفكرةِ السيادة الوطنية لتكون متراسًا لها، تجمع من خلفها شعوبها بحجةِ أنَّ استقلالها الوطني مهدَّدٌ، وأنَّ مؤامرةَ التدخل في شئونها تُحاك ضدها.
وقد أدركت شعوب الشرق أبعاد هذه اللعبة ومدى العلاقة الحميمة بين حكامها وبين الغرب، واعتماد هؤلاء الحكام على الغرب لحمايتهم، ولم يدرك الحكام حتى الآن أن الشعوب المغلوبة على أمرها- والتي سادت فيها قيم العبودية والاسترقاق السياسي- لا تستطيع حماية الحاكم الذي لم يترك لها مجالاً لكي تطوِّر نفسَها في مناخ الحرية، كما تُشير دروس التاريخ القريب إلى أنَّ الغربَ يهتم بالديمقراطيةِ لأبنائه ولا يهمه بل لا يخصه إشاعة الديمقراطية خارج حدوده؛ لأنه يعلم أنَّ الديمقراطيةَ هي الطريق الأكيد لتعزيز الانتماء الوطني ما دام المواطن شريكًا مساويًا في القرارِ في كلِّ القطاعات، وما دامت الدولة للجميع، وخيراتها للعموم والقانون فوق كل الرقاب، والمنصب العام ملك للمجتمع وليس حكرًا على أحدٍ بعينه، وهذه الديمقراطية الغربية تُلزم الحاكم بالشفافية في بيان سياسته تجاه الدول الأخرى، فإنَّ قدم معونةً لهذه الدول فهو ملزَمٌ بأن يوضح المنافع السياسية لدولته من وراء تقديم هذه المعونة.
على الجانبِ الآخر فإنَّ الحاكم المستبد في الدولة التي تتلقَى المعونة لا يجرؤ على أن يُوضِّح لشعبه ما هو المقابل السياسي لهذه المعونة، بل تعزف أجهزته لحنًا معاكسًا، وهو أنه بغير المعونة تسقط البلاد في البلاء، وأن استمرارَ المعونة هو ثمرة الحكمة التي يتحلَّى بها الحاكم والصداقة الشخصية الحميمة التي تربط هذا الحاكم المستبدّ بحاكم الدولة الغربية الديمقراطية؛ علمًا بأنَّ الأخيرَ لا يجاهر بهذه الصداقة التي تؤدي إلى رسم علامة استفهامٍ على سياساته، بل يحرص الحاكم الأجنبي الديمقراطي على أن يؤكد على علاقةِ التحالف بين بلاده والدولة الأخرى وليس مع حاكمها، خاصةً إذا كانت تصرفات الحاكم المستبد تفسَّر على أنها بدعمٍ من الدولة الأجنبية الديمقراطية.
ومثال ذلك أنَّ وزيرةَ الخارجية الأمريكية أعلنت في القاهرة خلال عام 2005م أنَّ واشنطن قرَّرت أن تُنهي تحالفاتها مع الحكوماتِ المستبدة وأن تشدِّد النكير عليها في قضية الإصلاح، وأنها تريد نموذجًا للحاكم في الدولِ الحليفةِ يكون مُصلحًا وديمقراطيًّا، وفي نفس الوقت حليفًا حميمًا، وهي تعلم أنها في حالةِ العالم الثالث معادلةٌ مستحيلةٌ، اللهم إلا إذا ظهرت الولايات المتحدة نفسها بسلوكٍ راقٍ على المستوى الدولي، فيصبح التحالف بينها وبين غيرها في نطاق هذا السلوك الراقي، وليست تلك سمة العلاقات الدولية في كل العصور.
على أيةِ حالٍ تواجه شعوب العالم الثالث إشكاليةً معقدةً، وهي أنَّ هذه الشعوب لا تُريد حكامَها الذين يزورون إرادتها في صناديق الانتخاب والاقتراع، بل ويتم التنكيل بمَن يجرؤ على المعارضةِ لهذا التزوير أو كشفه، ويتم تعذيب وهتك عرض المعارضين والناشطين بتعليمات من رجال الأمن وعلى يد البلطجية وبرعاية القيادات الأمنية ثم تحفظ النيابة التحقيقات، وهو بدوره ما يشجِّع أعمال البلطجة.
فإذا عزف الناس عن المشاركة في التصويت تكفَّلت الحكومة بالتعبير وإعداد الكشوف والبطاقات نيابةً عنهم، فتغدق على كل مَن اشترك في التزويرِ، بينما تتصدَّى لأعدائها وهم الذين يكشفون التزوير، بل إنَّ هؤلاءَ البلطجية الذين رُتبت لهم المسيراتُ طالبوا المعارضين بأن يرحلوا عن البلادِ إذا لم يُعجبهم ما يحدث، فما هي قيمة القانون والدستور في بلدٍ هذه أوضاعُه؟ المظاهرات السلمية للاحتجاج ممنوعة، أو لنقُل مباحة ولكن بإذن، والإذن لا يصدر أبدًا، فهي إباحة في مقام المنع، ثم يستمر الفساد وينخر في عظامِ المجتمع ويستمر الفشل في الإدارةِ وتتفاقم المشكلات ويخرس الناقدون.
إنَّ الدولةَ نشأت برضا مواطنيها، ومهمتها الأساسية بل الوحيدة هي الوفاء باحتياجاتِ هؤلاء المواطنين، وإجبار الكافة على احترامِ القانون، تنقلب اليوم في العالم الثالث على مجتمعاتها وتكون أسبق مَن يدوس القانون، مثل هذه الدولة هي فعلاً الدولة المارقة، وتكون حكومتها- وهي ذراعها التنفيذي- هي التي تتزعم المروق، صحيح أنَّ المروق لا يزال يُقاس بالتوافق أو التعارض مع السياسة الأمريكية، ولكنَّ المروق في حالتنا يُقاس بالحكمةِ التي أوجدت الدولة والحكومة كسلطة، فإن ضجَّ الشعب بالشكوى خارج الحدود اتُّهِم المحتجون بأنهم عملاء للأجانب وأنهم يستقوون بالأجنبي، وهو ما يحدث الآن في عددٍ كبيرٍ من الأقطارِ العربية بالذات، وهذا الاتهام صحيح أحيانًا، وأداةٌ لتكريس الاستبداد وقمع المعارضة في أحيان أخرى.
ومعنى ذلك أن الشعب بحاجةٍ إلى حكمٍ رشيدٍ وليس إلى حكمٍ يتمنى في ظله أن ينقذه الاحتلال الأجنبي خيرًا من الاحتلال الوطني البغيض، وكلاهما شرٌّ مستطير، فكيف نفضُّ الاشتباك بين حق الشعب في تقرير مصيره وفي ظل نظامٍ يتفنَّن في طمسِ هذا الحق ويفرض عليه ما لا يريد، فقرًا وعوزًا وذلاًّ في الداخلِ والخارج، بينما يتشبَّث الحكم بالاستبدادِ والفساد وقمع مَن يعترض.
لقد ثبت أنَّ الحكمَ الوطني في العالم العربي لا يكترث بمعارضةِ الداخل وإنما لديه حساسيةٌ خاصةٌ تجاه الخارج، وقد أفسدت حكومات العالم الثالث مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية؛ لأن العالم أدرك أن التمسك بهذا المبدأ قد أصبح ستارًا لتعويق حقِّ الشعب في تقرير مصيره ضد حكومته.
ومعنى ذلك أنَّ حقَّ تقرير المصير- الذي ظهر في البدايةِ لحمايةِ الأقليات داخل الدول ثم لانتزاع استقلال المستعمرات من الدول الاستعمارية ثم للتخلص من النظم الأجنبية المحتلة أو الاستيطانية- قد بدأ يُعرف بالجيلِ الخامس، وهو أنَّ إعاقةَ حق الشعب في تقريرِ مصيره بسبب تصرفات حكومته يُعدُّ جريمةً من جرائم النظام العام الدولي.
صحيح أن النظام الدولي الراهن لا يفسح مجالاً لرفع دعوى بهذه الجريمة، ولكني أعتقد أن تأصيل هذه الجريمة الجديدة سوف يستغرق وقتًا يكون المجتمع الدولي قد قطع فيه شوطًا طويلاً في سبيل فتح الطريق قضائيًّا على المستوى الدولي، بعد أن يكون هذا المصطلح قد تأكد على المستوى القانوني.
من ناحيةٍ أخرى فإنَّ الترويجَ لهذا المصطلح سوف يكون "مُناسبةً" للغرب الديمقراطي لكي يستحدث أداةً جديدةً يستخدمها سياسيًّا ضد الحكومات في العالمِ الثالث والتي لا تخدم مصالحه، ولن يعدم خلق فئة من نفسِ الشعب تتهم حكومتها بجريمة إعاقة حق تقرير المصير.
تلك هي الجوانب القانونية والسياسية لهذا المأزق، والحل هو الديمقراطية الحقيقية في العالم الثالث، خاصةً أنَّ اقتصادياتِ الديمقراطية في الداخل وفي العلاقاتِ الدولية أصبحت مغريةً للغرب لكي يدفع بدوره نحو تحريرِ شعوب العالم الثالث تحريرًا جديًّا أخلاقيًّا من القهر السياسي والعبث القانوني والفقر والعوز والفساد الذي طال البلاد والعباد.
ومعنى ذلك أنَّ تصعيدَ هذه القضية على المستوى الدولي- رغم ما سوف تُحدثه من تداخلات بين الداخل والخارج- فإنَّ الحكومات المستبدة في العالم الثالث لا تزول من خلال التفاعل في الداخل إلا في أحوالٍ قليلة، وخلال الثلاثين عامًا الماضية شهد العالم الثالث وأوروبا الشرقية حلولاً قسريةً للحكومات المستبدة، والتي يمكن تقسيمها إلى دموية وغير دموية، ولكنها لا تعتمد أساسًا على القوات المسلَّحة أي الانقلابات العسكرية، ففي حوالي عشر دول قامت الشعوب بالمظاهرات، بدءًا بالثورة الإسلامية في إيران، ومرورًا بالثوراتِ الشعبية في رومانيا شاوشسكو، والثورات البرتقالية والصفراء وغيرها.
أما في الدول التي تزوَّر إرادة شعوبها فيها من جانب حكوماتها المستبدة- والتي تصرُّ على البقاءِ رغم علمها برأي الشعبِ فيها، وتقمع هذا الشعب بالقوة- فإن العراق واحتلاله هو النموذج الأوضح؛ حيث أُصيب الشعب العراقي بالتمزق بين رغبته في التخلص من حاكمٍ مستبدٍ، وبين خشيته من أهداف الغزو التي لم تكن عبر التاريخ تعمل لمصالح الشعوب المحتلة.
وفي ضوءِ ما تقدَّم فإنَّ إشراكَ المجتمعِ الدولي عن طريقِ تجريم الاستبداد ومحاصرة الحكام المستبدين والقبض عليهم في الدول التي يزوِّرونها يمكن أن يكون رادعًا لهم حتى لو دلَّلتهم بعض الدول ثم أسهمت بعد ذلك في خلعهم، وهذا الحل يحمي دول العالم الثالث من هذه الآفة، ويمنع إراقة الدماء، ويقضي على الاحتقانِ، ويدفعها للقيام بأدوار إيجابيةٍ في العلاقاتِ الدولية بدلاً من أن تظل همومها عبئًا على كاهلِ دافع الضريبة في الغرب لمساعدة اللاجئين والمشردين ومحاولة علاج الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي يسبِّبها الاستبداد المقترن دائمًا بالفساد.