انشغلت الأمة فيما مضى بمنشوراتٍ كانت تصدرُ من هنا أو هناك تُنذر وتبشر وكان منها الغثُّ والسمين في وقتٍ واصل الغربُ والشرقُ مؤامراتهم ضد بلدنا الحبيب استعدادًا لساعةِ الصفر وقد وقعت.
وقد كان مما انشغلت به الأمَة أحاديثَ عن الجنِّ والسحر وأخرى عن أوهامٍ وافتراضاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان. كنَا نرى توزيعها في المدارسِ والجامعات وقد تمَّ تصويرها بأجهزهٍ متعبةٍ لا تكاد كلماتُها تُقرأ وما إن حلَّ علينا الاحتلال بحلّته الديمقراطية البهية حتى راجت فنونُ إصدار المنشورات الأمنية والسياسية، ولكن في هذه المرة لم تُحذِّر الأمةَ من بدعةٍ أو فكر وإنما أخذت تُهدّد وتتوعد أو تُكفَّر وتُبعد أو تحرِّض على كرهِ الآخر. وكانت من هذه المنشورات أنواع شتى. منها ما هو مختومٌ بأختامٍ مزوَّرة منسوبة إلى جهاتٍ أو مليشياتٍ ومنها ما هو غير مختوم ولا موقَّع أو أنه ينسب إلى منظمةٍ وهمية لا نعلم إن كانت موجودة أم غير موجودة.
والافتراضاتُ في هذه المنشوراتِ كثيرة فقد تكون صادرةً عن ثلّةٍ من الشباب قلّوا أو كثروا بتحريضٍٍ من جهةٍ ما أو بمبادرةٍ من عند أنفسهم مأجورين أو غير مأجورين... والاحتمالات كثيرة.
إلا أن ما نخلص إليه أنها شرٌّ محض وينبغي أن نتصدَّى له بما نستطيع حتى تزولََ الغمةَ عن الأمّة.. وأن نتصدى لجميع المنشورات غير الرسمية وغير المختومةِ بالختم المعلوم للهيئة والمؤسسة والحزب والمنظمة والتي توزَّع عادةً في العلن.
إنَّ التصدِّي لما عدا ذلك يكون باتخاذِ جملةٍ من الإجراءات.
أولها: الاسترشاد بقوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية 83)، ويمكن أن يُستفاد من الآيةِ الكريمة معنيان مهمان: أن لا نذيعَ الخبرَ بين الناس ونزيد من ترويعهم من غير فائدةٍ أو جدوى بل نقوم بإتلافِ جميع المنشورات ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً بدلاً من أن نكون سببًا في زيادة انتشارها ومساعدة العدو في تحقيق مآربه، والمعنى الثاني أن نوصل المنشورات إلى ذوي الشأنِ من أهل العلمِ بالشرع والقانون والسياسة كي نسمع منهم إرشاداتهم بخصوصها، وكان ينبغي أن تكون دولة القانون هي المرجع الذي يقصده المواطن الذي ما زال ينتظر ولادتها، بيد أنَّ مخاضها العسير طال ولا ندري هل تلد مولودًا كاملاً أم خديجًا.
وثانيها: بث الطمأنينة والثبات في نفوس المواطنين من أهل وأقارب وجيران وعُمَّار مساجد وطلبة وموظفين وغيرهم، ودعوتهم إلى الاستعانة بالله تعالى والإكثار من الذكر والدعاء وقراءة المعوذات وتذكيرهم بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم.
أننا في الوقتِ نفسه لا ننكر أن بعض الرسائل التنديدية قد أعقبها تنفيذ إلا أنها لم تكن الأكثر نسبةً، فكم وكم تلقى المواطنون رسائل شتى من تهديدٍ ووعيدٍ لفئةٍ أو ملةٍ إلا أنَّ الله سلَّم.
ليس من الحكمةِ ولا من كمال الإيمان أن يستسلم جميع الشعب لرسائلِ الموت؛ لأنَّ الثباتَ هو الأصل، وأنَّ الغمةَ لا بد أن تزول يومًا وأن الارتباك والزلزلة وهجرة البيوت وترك المساجد هو عين ما يريده عدوك لك أيها المسلم، وأنَّ الظرف مهما بلغت قسوته إلا أنه يحتاج إلى رجال.
وثالثها: أن المنشورات التي تدعو إلى الكراهيةِ وتأجيج الحقد الطائفي يجب أن تُحرق ولا تُروَّج أبدًا لأنها توغر الصدور وتدق الإسفين بين أبناءِ الشعب حتى نصل إلى حالٍ يصعب فيه البرء والشفاء.
إننا أيضًا نعترف بسوءِ الحال الذي وصل إليه شعبنا من احتقانٍ طائفي مقيت ومن أذى فاق التصور، إلا أننا لا نُسكب الزيتَ على النارِ، ونؤمن أنه مهما طالت أيام العذاب فإنَّ الشعبَ لا بد أن يعودَ إلى رشدِهِ ويتعايش مع إخوانه الآخرين، وأن ثقافة الكراهية والتكفير واجترارِ الماضي وتوظيف التاريخ توظيفًا سياسيًّا سيئًا.. كل تلك الأفكار لا تعدو أن تكون زبدًا ما يلبث أن يزول كما زال الذي قبله ويبقى ما ينفع الناس.
--------------
* كاتب ومحلل سياسي عراقي- منشور بالاتفاق مع موقع الحزب الإسلامي العراقي