يبدو أن القانون الدولي الذي درسناه وندرِّسه لطلبتنا في الجامعات قد انسحب من التداول ويحل محله قانون دولي جديد تمامًا؛ فالقانون الدولي الراهن الذي أسهمت مصادره المعروفة خاصة المعاهدات والعرف الدولي في تكوينه يقوم أساسًا على فكرة السيادة التي تتمتع بها الدول, وأن المساواة في السيادة قاعدة أساسية ونتيجة منطقية في نفس الوقت لمبدأ سيادة الدولة.

 

استقرَّ ذلك في ميثاق الأمم المتحدة وفي المبادئ العامة للقانون الدولي، صحيح أن العمل الدولي الذي تحكمه قواعد العلاقات الدولية التي تفسح مجالاً أرحب لأوزان الدول وقدراتها يحاول أن يقدِّم نموذجًا مختلفًا, ولكنَّ القانون الدولي وقواعده ظل قيدًا على جموح التفاعل بين السياسات والواقع، ولم يحدث حتى الآن أن مارست دولةٌ القوةَ من أي نوع ضدَّ دولة أخرى وجاهرت بأن هذا السلوك خارج دائرة القانون، بل تؤكد أن تصرفها مشروع تمامًا وفقًا لتفسير معين لقواعد استخدام القوة، من معلوماتنا البديهية أيضًا أن مجلس الأمن يعمل وفق ضوابط سلطاته في الميثاق, ويسعى إلى تحقيق أهداف الأمم المتحدة, ويسير على مبادئها، وهي المساواة في السيادة وحظر التدخل في الشئون الداخلية, وتسوية المنازعات بالطرق السلمية وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية, كما يحظر على المنظمة الدولية بكل أجهزتها وفي مقدمتها مجلس الأمن أن يتدخل فيما يعد من قبيل الاختصاص الداخلي للدول.

 

صحيح أن الخط الفاصل بين ما يعد اختصاصًا واهتمامًا دوليًّا وما يعد داخليًّا خط متغير ويتجه باستمرار صوب الداخل لكي يوسع الاختصاص الدولي ويضيق الاختصاص الداخلي، وصحيح أن تداعيات العولمة قد خفضت أسوار السيادة الوطنية وأن الاندماج الأوروبي قد أنشأ منظمات فوق وطنية supra national إلا أن الدول الكبرى تقود اتجاهًا لتفريغ سيادة الدول الصغيرة، والقضاء على فكرة الإرادة الخالصة للدولة وسلامتها من العيوب، من مبادئ القانون الدولي أن الدولة تقبل الالتزام الدولي بإرادتها وتنضم إلى المعاهدات الدولية بارادتها, فإن شاب رضاها شائبٌ جاز لها أن تبطل المعاهدات وتسقط الالتزام على تفصيل تكفلت به أحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

 

لوحظ أيضًا أن مجلس الأمن خاصة في الأزمة السورية اللبنانية قد أصدر عددًا من القرارات التي صادرت السيادة اللبنانية والسورية وأولها القرار 1559 حيث طالبت سوريا بالانسحاب من لبنان دون طلب من لبنان نفسه, كما فرض الأمين العام ممثله الخاص للإشراف على تنفيذ القرار وحل التنظيمات المسلحة داخل لبنان, وهي لا تزال شئونًا داخلية مَهْما تمَّ التوسع في نطاق الاهتمام الدولي، أما بقية قرارات المجلس التي أصدرها عقب مقتل الحريري فهي معروفةٌ وتتعلق بسلطات لجنة التحقيق الدولية التي تصل إلى درجة وضع البلدين تحت وصاية اللجنة، وأصبح مفهومًا أن مجلس الأمن ينحرف بشدة عن أحكام الميثاق, ولكنَّ صدور قراراتِه بالإجماع دفعت المتخصصين إلى الاعتقاد بأن السلوك الدولي للدول الرئيسة في النظام الدولي يعتبر في أحسن الفروض تفسيرًا لأحكام الميثاق حتى يظل الربط قائمًا بين النصوص والسلوك, إن لم يكن هذا السلوك تعديلاً لأحكام الميثاق, وإن تم بطريق يخالف طريق التعديل الذي نصَّ عليه الميثاق.

 

وقد خطا مجلس الأمن خطوةً أكبر في مجال انتهاك سيادة سوريا ولبنان والاستهانة بهما عندما طالب الدولتين بإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما وبترسيم حدودهما، وإن كان القرار 1680 الصادر في 17/5/2006 قد خفَّف عبارته في الفقرة الرابعة العاملة بالنص على أنه يشجع بشدة سوريا على الاستجابة لطلب لبنان الذي يتمشى مع نتائج الحوار الوطني اللبناني بشأن ترسيم الحدود وإقامة تمثيل دبلوماسي وعلاقات كاملة.

 

واستدرك القرار في هذه الفقرة بقوله: إن إقامة العلاقات وإنشاء البعثات أمرٌ يحدث بالاتفاق، وذلك حتى ينفي صفة الفرد على الدولتين في مسألة تتعلق بالسيادة، ولكنَّ القرارَ لم يتمكَّن من التخفيف من الحقيقة، وهي أن سوريا قد لا ترغب في الاستجابة للمطلبين, أو للاستجابة لهما تحت رقابة وتعليمات مجلس الأمن, حتى يظلَّ الخيار لها دائمًا، الهدف من القرار يدخل في إطار سعي فرنسا والولايات المتحدة للضغط على سوريا، استمرارًا للخط الذي بدأه القرار 1559 وتحقيق الفصل الكامل بين سوريا ولبنان، وهذا الهدف كان دائمًا هدفًا صهيونيًّا, ولكنه أصبح أيضًا هدفًا لبعض القوى اللبنانية التي تسعى إلى فصم العلاقة بين سوريا ولبنان، وإذا كان اللبنانيون جميعًا حريصين على سيادة بلدهم وعدم تدخل أحد حتى لو كانت سوريا الشقيقة في شئونهم, فلا أظن أن هدف الاستقلال يختلط لديهم بشبهة أخرى وهي فصم البلدين، وقد يبدو هدف تحقيق استقلال لبنان وعدم عودة السيطرة السورية عليها أمرًا مقبولاً بحيث يسعى البلدان إلى إعادة صياغة علاقاتهما السياسية بما يتفق مع مصالحهما, ولكنَّ السعي إلى عزل سوريا وتكريس الانفصام بينهما على خلاف ما يعلن القرار، فسوف يظل موضوع شك وريبة, ما لم يتم إشاعة أجواء الثقة بين البلدين.

 

ويؤدي مضمون القرار إلى أن إنشاء العلاقات الدبلوماسية وترسيم الحدود يؤدي إلى تحقيق هدفين، الأول هو توثيق العلاقات بين البلدين وإزالة الشكوك في نوايا سوريا إزاء لبنان، والهدف الثاني هو تأكيد استقلال لبنان عن سوريا، وكذلك تمكين الدولة اللبنانية من بسط سيطرتها على كامل التراب اللبناني, وهي صيغة رددتها قرارات مجلس الأمن المتعاقبة وفسرت على أنها موجَّهة إلى العلاقات مع سوريا، كما أنها موجهة إلى حزب الله.

 

وكما أشرنا فإن إقامة العلاقات الدبلوماسية وترسيم الحدود يمكن أن يكون عاديًا مع دول في ظروف عادية لولا أنَّ موقفَ مجلس الأمن هو جزء من رؤيةٌ عامةٌ بدأت بالقرار 1559, كما أن لهجة القرار تشير بأن هناك إملاءً على البلدين, وكأنَّ عدمَ إقامة العلاقات وترسيم الحدود يُعرِّض السلم والأمن الدوليين للخطر.

 

ومن الواضح أن فرض إنشاء علاقات دبلوماسية وترسيم الحدود, حتى لو كان في صورة التشجيع والنصيحة قد أثار ريبة سوريا التي لا ترى الظروفَ مناسبةً وتنظر بالشك إلى نوايا مجلس الأمن, كما أنها ترى أن هذه الطريقة لن تساعد على تحسين العلاقات بين البلدين, ما دام لبنان الذي تحكمه قوى المعارضة لسوريا يستقوي بمجلس الأمن، على الجانب الآخر أن ينظر فريق المعارضة في لبنان إلى أن طلب إنشاء العلاقات وترسيم الحدود هو اختبار لمدى جدية سوريا في التعامل مع لبنان على قدم المساواة.

 

أما من الناحية العملية, فنحن نرى أن إملاء مجلس الأمن لإقامة العلاقات الدبلوماسية يناقض أحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961م والتي تجعل قرار إنشاء العلاقات الدبلوماسية قرارًا سياديًّا خالصًا، ذلك أن الثابت في القانون الدولي هو أن الدولة قد ترغم على قطع العلاقات الدبلوماسية إذا صدر القرار من منظمة دولية عالمية أو إقليمية كجزاء على الدولة التي تقطع العلاقات, ولكن الدولة لا ترغم مطلقًا على إنشاء علاقات دبلوماسية مع غيرها، بل إن مجلس عصبة الأمم رفض موقفَ الاتحاد السوفيتي الذي نازع في حق بيرو في قطع علاقاتها الدبلوماسية مع موسكو, وبذلك ظل مبدأ إقامة العلاقات وقطع العلاقات من مبادئ سيادة الدولة، ويترتب على موقف مجلس الأمن- إن تقرر- أن يتناقض قرار المجلس مع اتفاقية فيينا، مما يجعل القرار طعينًا من الناحية القانونية؛ لأن الاتفاقية تسمو على قرار المجلس في مجال ترتيب مصادر الالتزام الدولي في نظرنا على الأقل.

 

ولا شكَّ أن مناقشة مجلس الأمن لهذه القضية تُرسل رسائل متعددة خارج إطار الرسالة الأصلية، وهي تكريس تجزئة البلدين على غير المألوف في سياق العلاقات الخاصة اللبنانية السورية, وهو أمرٌ ترحب به المعارضة كما أشرنا، ومن بين هذه الرسائل أن مجلس الأمن يريد أن يرسي سابقة خطيرة, وهي إلغاء حق الدولة في إنشاء العلاقات الدبلوماسية والبعثات الدبلوماسية, وهو حق يتمتع حتى الآن بالطابع السيادي، ومؤدى ما تقدم أن مجلس الأمن سوف يُصدر بعد ذلك قرارًا بإلزام الدول العربية بالاعتراف (بإسرائيل) وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها, وهذا هو مضمون السلام الذي اشتملت عليه الصيغة الشهيرة لقرار مجلس الأمن رقم 242، ومعلوم أنه وفقًا لهذه الصيغة فإن (إسرائيل) تلتزم بردِّ الأراضي المحتلة إلى أصحابها, ولذلك فإن اتجاه مجلس الأمن يهدف إلى أن تحتفظ (إسرائيل) بالأرض, وأن تحصل في نفس الوقت على الاعتراف والعلاقات من العالم العربي دون مقابل في مجال الحقوق الفلسطينية، ويبدو أن هذا الاتجاه من جانب مجلس الأمن قد تمَّ التمهيد له منذ القمة العربية في الجزائر عام 2005م بإشاعة فكرة الفصل بين العلاقات العربية (الإسرائيلية), ومدى التقدم في القضية الفلسطينية.

 

وقد أصدر مجلس الأمن القرار 1680 على ضوء مناقشته لتقرير تيد لارسن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بمتابعة تنفيذ القرار 1559، وقد سبق أن أشرنا إلى ضرورة قراءة القرار 1680 في ضوء سلسلة القرارات التي بدأت بالقرار 1559 والذي قدم على أنه يهدف إلى إزالة كل معوقات ممارسة لبنان لسيادته على أرضه, وهو ما أشارت إليه ديباجة القرار 1680 من سلسلة القرارات التي تؤكد هذا المعنى، ولكن القرار 1559 حدد ثلاثة معوقات وهي النفوذ السوري, ويشمل الوجود العسكري والأمني والسياسي والتحالفات التي أقامتها سوريا مع القوة السياسية اللبنانية، وقد أكد لارسن في تقريره أن الانسحاب العسكري السوري لم يزل هذه العقبة تمامًا، أما العقبة الثانية في نظر القرار وحسب تفسير ممثل الأمين العام فهي وجود حزب الله بسلاحه وسيطرته على الجنوب اللبناني بدعوى التصدي لإسرائيل، ويلحق بذلك قدر من السيطرة التي يمارسها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ومعهم سلاحهم، مما يحد من سيطرة الحكومة على مناطقهم، أما العقبة الثالثة فهي عدم الانتخاب الديمقراطي الحر والدستوري لرئيس الجمهورية, والذي لم يفلح الحوار الوطني في معالجته، وبذلك جاء القرار 1680 لكي يجسد أهداف القرار 1559 وما سبقه ولحقه من قرارات في هذا السياق.