هناك مشكلةٌ تتعلق بمنهج تقييم اتفاق أبوجا للسلام في دارفور، وتظهر أمامنا ثلاثة مناهج للتقييم:
المنهج الأول يتعلق بمدى فعالية الاتفاق في الصياغة والتنفيذ في القضاء على مأساة شعب دارفور، وهي مأساةٌ لا خلاف على أنها تتضمن الجوع وانعدم الأمن والفرار من القتال وأحيانًا الوقوع ضحية عددٍ من أعمال القتال أو حتى المذابح المريرة، ولا شك أن هذا المعيار لا خلاف عليه، فجميع الأطراف تسعى إلى إنهاء مأساة دارفور، رغم أن رؤية هذه الأطراف لحجم المأساة وأسبابها تختلف اختلافًا جذريًّا أحيانًا.
المعيار الثاني هو الذي تطبقه الحكومة السودانية، ويقوم على أساس أن الاتفاق تضمَّن عددًا من التنازلات، وأحيانًا القبول ببعض الالتزامات التي تضمنتها قرارات مجلس الأمن مقابل وقف الضغوط الدولية والأمريكية التي قامت بتوظيف مأساة دارفور ضد السودان بالحق وبالباطل، فهناك قناعةٌ لدى الحكومة السودانية بأن قضية دارفور من أساسها هي جزءٌ من مخطط أمريكي صهيوني تشترك فيه أطرافٌ أخرى، وأن هناك علاقةً وثيقةً بين حجم التنازلات الحكومية السودانية لصالح التمرد والانفصال ومقدار الرضا الأمريكي عن السودان، وسندها في ذلك سجلّ العلاقات الأمريكية السودانية خلال السنوات الماضية، منذ تولي حكومة الرئيس البشير حكم السودان في أواخر ثمانينيات القرن العشرين؛ حيث فرضت واشنطن مختلفَ أنواع الضغوط والعقوبات الأمريكية والدولية على السودان، وهي مثل ليبيا تعرَّضت لهجماتٍ عسكريةٍ أمريكية.
ويستطيع الدارسون للمسرح السوداني أن يطمئنوا في قراءة هذا المسرح إلى نظرية الجذور التي تؤكد على أن الجذرَ الحقيقي لما يحدث في السودان وما يتعرض له من تفتيت يرجع إلى توتر العلاقات السودانية الأمريكية والصهيونية، رغم أن هذه النظرية بدأت تتعرَّض للكثير من النقد في العالم العربي؛ حيث تنفذ بعض الدول في المنطقة ما تريده واشنطن وما تعلنه صراحةً أو همسًا، ومع ذلك فهي تتعرض أيضًا لمخطط التجزئة والتقسيم.
ولما كانت الحكومة السودانية تَعتقد أن تنازلاتها في دارفور بالقياس إلى مواقفها السابقة يمكن أن توقف المزيدَ من الضغوط الهادفة إلى إضعاف هيمنتها عليه.. فقد ظلت الحكومة متوجِّسةً من الإصرار الأمريكي على إرسال قوات دولية إلى دارفور، وقد صحَّ ما توقعته الحكومة السودانية من أن توقيعَ اتفاق السلام لم يُثنِ واشنطن عن أن تَعرض على مجلس الأمن مرةً أخرى أن يرسلَ قواتٍ دوليةً إلى دارفور، فأكد السودان رفضَه للفكرة مرةً أخرى.
بعبارة أخرى فإن من ثوابت التفكير السوداني في هذه المسألة هو عدم الثقة السودانية في النوايا الأمريكية واتهامها السابق (لإسرائيل) بتسليح حركات التمرد، وتظاهر اليهود في الولايات المتحدة ضد الحكومة السودانية واتهامها بارتكاب جرائم الإبادة، وكأن كل جرائم الإبادة أصبحت تخص اليهود وحدهم، رغم أن الكيان الصهيوني ارتكب من صور الإبادة ما يُخجل زبانية الإبادة اليهودية في ألمانيا، فضلاً عن أن اليهود لم يكونوا الضحيةَ الوحيدةَ لهذه الجريمة.
وقد أصبح الشك في النوايا الأمريكية جزءًا أساسيًّا من المُدرَك العربي والإسلامي؛ بسبب الهيمنة الصهيونية الكاملة على القرار الأمريكي، وهي حقيقةٌ أصبحت شائعةً في الثقافة الأمريكية.
المنهج الثالث في التقييم هو المنهج الأمريكي؛ حيث ترى الولايات المتحدة في الاتفاق تقليمًا لأظافر الحكومة السودانية؛ حيث نصَّ الاتفاق على تسليم المحافظات الثلاثة في دارفور لإدارة المتمردين، وتعهَّدت الحكومة فيه بنزع سلاح قبيلة الجنجويد بعد أن ظلت الحكومة السودانية ترفض هذا الطلب منذ القرارات المبكرة التي أصدرها مجلس الأمن في قضية دارفور منذ صيف 2004 الذي تزامن مع تسخين الجبهة السورية اللبنانية بالقرار 1559، ثم القرار 1564 الخاص بالسودان.
ومن النقاط الإيجابية في الاتفاق- في تقدير واشنطن- أن يتولى المتمردون منصب مساعد رئيس الجمهورية إلى جانب منصب النائب الأول للرئيس الذي يتولاه الجنوبيون، ويكون هذا المساعد هو المسئول القومي عن السلطة الانتقالية في الإقليم لنقل الإقليم من السلطة الكاملة للحكومة السودانية إلى السلطة الفعلية للمتمردين، ويكون هو المشرف على تطبيق اتفاق السلام ومنسقَ هذا الملف مع الحكومة المركزية، على أن يكون له حقُّ النقض إذا نشب خلافٌ في تطبيق الاتفاق بين السلطة الانتقالية وحكومات ولايات دارفور، وتتكون السلطة الانتقالية لإقليم دارفور من حكام الولايات الثلاثة، وقد قرَّر الاتفاق منح تعويضاتٍ للمتضررين من الصراع تدفع الحكومةُ جزءًا لم يتحدد بعد، وهي إشارةٌ إلى الاعتراف بجرائم الإبادة من جانب المسئولين السودانيين.
وشدَّد الاتفاق على الالتزام بعدم المساس بوقف إطلاق النار، وعدم الاعتداء على المدنيين وعلى الحركات المسلَّحة، وهذا الالتزام يقع على الحكومة والمتمردين، ويراقب الاتحادُ الإفريقيُّ تطبيقه. دعا الاتفاق أيضًا إلى أمرٍ يهم واشنطن، وهو تجريد "القوات الأجنبية" من سلاحها وطردها من السودان، وهي إشارةٌ إلى المتمردين التشاديين ضمن اتهام واشنطن الخرطوم بتدبير محاولة الانقلاب على إدريس ديي في تشاد، كما أنه اعتراف من جانب الحكومة بوجود قوات أجنبية على أراضيها.. كذلك نصَّ الاتفاقُ على أن تضمَّ الحكومة المركزية ثلاثة وزراء من المتمردين، فضلاً عن نسب مختلفة لإشراك المتمردين في الوظائف المحلية، كما اهتم الاتفاق بتعمير دارفور من خلال صندوق توفر الحكومة فيه 300 مليون دولار فورًا، و30 مليونًا كل عام، ونسبة من الدخل القومي للتنمية والإعمار في الإقليم.
ورغم أن الاتفاق يميل نحو المتمردين، إلا أنهم رفضوا التوقيع عليه، ولم تقبله سوى حركة واحدة، كما أن واشنطن هددت الحركات الرافضة بعقوبات مجلس الأمن إن استمرت في رفض الاتفاق، وهذا الموقف أيضًا يُثير ريبةَ الحكومة السودانية.
ورغم رفض المتمردين للاتفاق فهم يعترفون بأنه انتزع من الحكومة الكثير، ومن ذلك سحب قواتها من معظم المواقع في دارفور، ونزع سلاح الجنجويد خلال خمسة أشهر قبل أن يسلم المتمردون أسلحتهم، كذلك يقدِّر المتمردون أن فريقًا استشاريًّا مستقلاًّ ضمن ضمانات تنفيذ الاتفاق يُشرف على تنفيذ الاتفاق الذي ترأسه كندا والنرويج، وهما أبرز نقَّاد الحكومة السودانية، كما تقوم الحكومة بإلغاء القوات شبه العسكرية في الإقليم خلال ثلاث سنوات، وتندمج بضعة آلاف من قوات التمرد في الجيش، ويتولى بعضهم مناصب قيادية، وسوف يُجرى استفتاءٌ في دارفور حول توحيد أقاليم دارفور في إقليم واحد.
ويتضح من تعليقات الصحف الأمريكية على الاتفاق أن الحكومة قبلت كل هذه التنازلات، ربما لكي تمتص الضغط الدولي عليها؛ ولذلك نبَّهت هذه التعليقات إلى ضرورة استمرار هذه الضغوط حتى تفيَ الحكومة بالتزاماتها في الاتفاق.
والحق أن تقييمَ الاتفاقِ في ذاته يتطلب ربطَه بمدى فعاليتِه في تهدئةِ الأوضاع وتهيئة الاستقرار وبدء التنمية وعودة اللاجئين مع استمرار تبعية الإقليم للسودان، ولكننا بصراحة يبدو لنا أن الاتفاق سوف يُستخدم لمزيد من الضغوط على الحكومة السودانية لاستمرار مخطط فصل الإقليم، وذلك بحجتين: إحداهما قديمة، وراجت في الفكر السياسي الأمريكي، ومؤداها أن الدولة التي تفرِّط في جزء من سكانها وتنقلب عليهم لم تعُد مؤهلةً لحضانة الإقليم الذي تثور فيه المشكلة، وهو المنطق الذي طبَّقته واشنطن على إقليم كوسوفا، وهو تطورٌ بالغُ الخطورة على بنيةِ القواعدِ الدوليةِ الراهنة التي تؤكد على الوحدة والسلامة الإقليمية للدولة.
ولما كانت واشنطن هي التي أثارت المشكلة- وهي ليست بريئةً مطلقًا ولا تعمل لوجه الله تعالى- فإن الشك يرافق كل تحركاتها في دارفور، أما الحجة الجديدة الثانية فهي أن الإقليم أصبح يُستخدم لزعزعةِ استقرار تشاد والدول المجاورة؛ ولذلك فإن استمرارَه في حوزة السودان سيظل مصدرًا لعدم الاستقرار، ولم تكن صدفةً مطالبةُ تشاد بوضع إقليم دارفور تحت الإدارة الدولية، عندما أثارت تشاد المشكلة مع السودان، وتسبَّبت في حرمان السودان من رئاسة القمة الإفريقية في الخرطوم في سابقةٍ فريدةٍ، رغم استضافة السودان الكاملة لهذه القمة.
إننا مرةً أخرى وليست أخيرةً ندقُّ ناقوسَ الخطر على وحدة الأراضي السودانية التي تتعرض لمؤامرة التقسيم، ولكن هل تُجدي النُّذُر؟!