(1)

إذا أخذنا موضوع التحول الديمقراطي على محمل الجد، فإنه يفترض أن يعني- بين ما يعني- أن تفتح الأبواب واسعة لكل الأطياف والأفكار والمشاريع السياسية لكي تبسط بضاعتها على الناس، ثم تحتكم في نهاية المطاف إلى صناديق الانتخاب، بحيث يكون المجتمع وحده الذي يقرر من يكون الطرف الذي عليه أن يتولى السلطة ويدير دفتها. وطالما كان ممثلو تلك الأطياف وحملة تلك الأفكار والمشاريع يلتزمون في أطروحاتهم بحدود الدستور وإطار القانون، فإن أي قيد عليهم أو حجر تحت أية ذريعة، إنما يعد عدوانًا على الديمقراطية، من حيث إنه يشكل انتقاصًا من حق المشاركة الذي يفترض إتاحته للجميع.

 

فضلاً عن ذلك، فإن جدية التحول ينبغي ألا تقف عند حدود بناء مؤسسة السلطة وتحديد الطرف الذي يتبوأها، فذلك يُشكِّل أحد ركائز التحول المهمة بلا ريب، لكن الذي لا يقل عن ذلك أهمية هو الجهد الآخر الذي ينبغي أن يوجه إلى بناء المجتمع، ذلك أن أية سلطة إذا ووجهت بمجتمع ضعيف، فإن ذلك يُشكِّل إغراءً لا يقاوم على التحول وتهديد الحريات العامة. بسبب من ذلك، فإنَّ إطلاقَ حريات المجتمع وتوفير الفرص اللازمة لتعزيز مناعته وحصونه، من خلال مؤسسات المجتمع المدني وإخضاع الجميع لسيادة القانون، يصبح من الأهمية بمكان. ذلك أنني أزعم بأن قوة المجتمع تشكل الكابح الحقيقي لتتحول أية سلطة، ما لم يتوفر ذلك الكابح، فإن البناء الديمقراطي يظل فاقدًا للمناعة، وقابلاً للسقوط في أي وقت.

 

ومن الأخطاء الشائعة بين النخب السياسية في مجتمعاتنا أنها أولت اهتمامًا كبيرًا لآليات وضمانات بناء السلطة، في حين لم تنتبه بشكلٍ كاف إلى حصانات المجتمع وكيفية تقوية مؤسساته.

 

(2)

هذه الخلفية واجبة الاستدعاء عند التطرق إلى ملف العامل الديني في التحول الديمقراطي.
والوجوب يرتكز على عوامل ثلاثة، أولها إن العامل الديني يمثل أحد الحقائق المهمة المتجذرة في المجتمعات العربية، التي لا نبالغ إذا قلنا إنها متدنية بطبيعتها، وإن حضور الدين في المجال العام يزايد حينًا بعد حين، وهو ما تدل عليه شواهد عدة، أبرزها نتائج الانتخابات التشريعية والنقابية، أيًّا كان قدر الحرية والنزاهة الذي يتوفر لها.

 

العامل الثاني يرتبط بالأول وينبني عليه، وهو يتلخص في أن التدين وما يمثله من حضور وأهمية في المجتمعات العربية أصبح بمثابة طاقة كامنة فيه، إذا لم يستثمرها الغيورون على مستقبل الأمة فيما هو بنَّاء وخيِّر، فسوف يتلقفها آخرون لأجل توظيفها لصالح أهداف أخرى، قد تكون ضد المجتمع وفي غير صالحه، ومن أسف أن خبرة المجتمعات العربية مع هذا التوظيف الأخير توفر لنا شهادة قوية على مدى الفشل الذي منيت به الأنظمة العربية أو مدى الثمن الذي دفعته مجتمعاتنا، حين ضاقت خرائطنا السياسية عن احتواء التيارات الإسلامية، فتحولت بعض تلك التيارات إلى عبء على المجتمع وليس عونًا له.

 

أما العامل الثالث فهو أن التيارات الإسلامية في مجملها تعد تعبيرًا أصيلاً عن هوية الأمة، لا يمكن ولا ينبغي تجاهله؛ حيث تشكل تلك التيارات، مع شقيقتها العروبية الركيزة الأساسية للانتماء إلى العالم العربي.

 

في هذا الصدد يتعين علينا ملاحظة أن ساحة العمل العام في العالم العربي عرفت في عصورها الحديثة تيارين أصيلين وآخرين وافدين. الأصيلان هما التياران الإسلامي والعروبي، والوافدان هما التياران الليبرالي والماركسي، وأيًّا كان تقييمنا لتلك التيارات، فإن أحدًا لا يشك في أن الأولين هما الأعمق جذورًا والأقرب إلى التعبير عن الضمير العام في المجتمعات العربية، الأمر الذي يعزز أهميتهما في أي جهد يستهدف بناء الحاضر والمستقبل.

 

(3)

أحسب أننا تجاوزنا الإجابة على السؤال هل يكون للدين علاقة بالعمل العام أم لا، وإن السؤال المطروح على الجميع الآن هو: كيف يكون شكل تلك العلاقة. وقبل التفصيل في هذه النقلة يتعين علينا أن نحدد مسألة أخرى تتصل بما يروج عن علاقة العلمانية بالديمقراطية، التي يعتبرها البعض علاقة حتمية تدعي أنه لا علمانية بغير ديمقراطية، ولا ديمقراطية بغير علمانية. وهو ادعاء غير صحيح، على المستويين العلمي والتاريخي. ذلك أن العلمانية في أصلها الفلسفي اشتقاق من العالم، (التسمية في اللغة الأردية أدق، حيث ترجمت كلمة Secularism بمصطلح الدنيوية) وهي تعد موقفًا من الدين، لا يقر بمركزيته، وإنما يضعف من دوره باعتبار صلته بالغيب، وبكل ما هو خارج عن العالم المحسوس. وهذا الإضعاف له حدوده الدنيا التي قد تكتفي بالتهميش، وحدوده القصوى التي تصل إلى حد الإبعاد والإنكار.

 

في الحالة الأولى تستمر المصالحة مع الدين، وفي الحالة الثانية تصل الأمور إلى درجة الخصومة والقطيعة.

 

على صعيد الخبرة التاريخية، فإننا لا بد وأن نقر بأن المجتمعات العلمانية انتعشت فيها الديمقراطية وتمت كفالة الحريات العامة إلى مدى بعيد، وحققت تلك المجتمعات درجة عالية من التقدم والنهوض جديرة بالاحترام، إلا أننا لا بد أن نقر أيضًا بأن ثمة مجتمعات علمانية أخرى أهدرت فيها الحريات ولم تقم فيها للديمقراطية قائمة، وأحسب أن الأنظمة العلمانية العربية تقدم نماذج من ذلك القبيل تكذب الادعاء بالتلازم الحتمي بين العلمانية والديمقراطية.

 

وهو ما يسمح لنا أن نقول بأن منظومة القيم الديمقراطية، وفي مقدمتها مبادئ المشاركة والمساءلة وتداول السلطة، ليست حكرًا على المجتمعات العلمانية وحدها، وأنها يمكن أن تسود أيضًا في أي نموذج حضاري آخر، بما في ذلك النموذج الذي يعتمد المرجعية الإسلامية.

 

ونحن نفكر في العلاقة بين الدين والتحول الديمقراطي وقد يفيدنا أن نلقي نظرة على معالجة تلك العلاقة في الخبرة الغربية. وقد وقعت على شيء من ذلك في عرض لمضمون كتابين حول "الدين والسلطة في الولايات المتحدة" لكل من مايكل كوربت وجوليا ميتشيل، حيث أشارا إلى أن هناك ثلاثةً تيارات سادت في الفكر الأمريكي حول مركزية الدين بالنسبة إلى الديمقراطية، وما إذا كان يشكل عائقًا أم دافعًا لها. وهذه التيارات هي:

 

الأول، رأى أنصاره أن الدين يعد معوقًا للديمقراطية؛ وذلك لأن المتحدثين باسمه ينطلقون من احتكارهم للحقيقة المطلقة، وبالتالي لا يمكن التحاور معهم والتوصل إلى أية صيغة توافقية هي أساس الفكرة الديمقراطية.

 

أما التيار الثاني فعلى عكس الأول، يرى أن الدين عامل مؤثر ودافع باتجاه التحول نحو الديمقراطية؛ لأن جوهر الإنسان هو التسامح والاعتدال، وهو ما يصب في المعنى الكبير لفكرة الديمقراطية التي تقوم على التسامح مع الآخر والاعتدال في طرح الأفكار.

 

التيار الثالث حاول التوفيق بين التيارين السابقين ورأى أن الدين ضروري ومهم ولا يمكن الاستغناء عنه في أي مجتمع، لكن شرط أن يتم تكييفه بحيث يصبح المعبر عن "الضمير المجتمعي للأمم" أي أن يصبح الدين بمثابة الخلفية أو الوعاء الكبير الذي يحوي بداخله كافة الأفكار والمعتقدات التي تحرك الأفراد وبه يقوم الدين بدور الضابط الذاتي لحركة المجتمع، فلا يتدخل فيها بشكل كبير، ولا يتركها فتصبح فوضى يصعب السيطرة عليها.

 

وقد أسفر هذا الجدل عن تبني الغرب للدين بهذا المفهوم الواسع الذي يترك العنان للأفكار والأيديولوجيات أن تتلاقح بحيث تصل في النهاية إلى ما يتم إقراره والاتفاق عليه بين الجماعات السياسية المختلفة.

 

وبفضل هذا المنطق انطلقت المجتمعات الغربية في بناء إطارها المعرفي والفكري حول علاقة الدين بالديمقراطية. وتخلصت مبكرًا من تلك الثنائية المفخخة، وقد دار هذا الجدل والخلاف في إطار الدين المسيحي بالطبع واليهودي أحيانًا، وذلك على نحو ما يقرر كوريت وميتشيل.

 

(4)

من الأمور الجديرة بالذكر والاهتمام في هذا الصدد، أنَّ الساحةَ الإسلامية شهدت خلال العقدين الأخيرين تطورًا غاية في الأهمية في مجال أبحاث الفكر السياسي. وهو تطور لم يلحظه كثيرون بسبب التركيز الذي ظل مشدودًا طول الوقت- خصوصًا على المستوى الإعلامي- صوب أفكار التطرف والإرهاب، الأمر الذي صرف انتباه الكثرة الكاثرة من دوائر الرأي العام، بل والنخبة أحيانًا، عن أدبيات الاعتدال والتغيير السلمي في الخطاب الإسلامي.

 

ولست أتردد في القول بأن ذلك الإعراض لم يكن بريئًا طول الوقت، حيث لم يخل من تجاهل متعمد، أريد به أن يظل الضوء مسلطًا على أوجه التطرف والإرهاب، سواء لتصفية صراعات فكرية معينة، أو لتخويف الرأي العام ومن ثم لتنفير الجماهير من التيارات الإسلامية، ولإقناعها في ذات الوقت بأن ما هو قائم على علاته أفضل مما هو قادم، إذا استمر تقدم العناصر الإسلامية.

 

ثلاثة عناصر كان لها دورها الفاعل في دفع ذلك التطور الذي أتحدث عنه، أولها أن تيارات الاعتدال في العمل السياسي عانت كثيرًا من أنظمة وأساليب القهر والاستبداد؛ الأمر الذي نبَّه رموزها الفكرية إلى أهمية ترسيخ الديمقراطية وإرساء قيمها، لكي تكفل الحريات العامة.

 

العامل الثاني تمثَّل في صعود تيارات وأفكار التطرف والإرهاب مستصحبًا اهتمامًا إعلاميًّا لافتًا للأنظار ومروجًا لمواقف معادية للحرية والديمقراطية، وهو ما حرَّك أهل الاعتدال وحفَّزهم على إبراز الوجه الآخر المسكوت عليه، الذي جرى تشويهه فضلاً عن طمسه، وكان ذلك بابًا دخلت منه أعداد كبيرة من الباحثين، الذي حرصوا على بسط الموقف الحقيقي للإسلام باعتباره منظومة فكرية تكرس الدفاع عن حريات الناس وكراماتهم.

 

أما العامل الثالث فيتمثل في اقتراب بعض الحركات الإسلامية من مواقع السلطة، أو دخول ممثليها إلى المجالس التشريعية والمؤسسات النقابية. وهو الدخول الذي تمَّ من خلال انتخاب الجماهير في الحالات التي توفرت لها بعض الهوامش الديمقراطية. هذا الاقتراب أتاح للمشاركين فيه من الرموز الإسلامية فرصة الاقتراب من خرائط الواقع وإدراك تضاريسه، وحولهم من دعاة للإصلاح ومنظرين له، إلى مشاركين فيه بدرجة أو أخرى. وهذا الانتقال من مواقع المتفرجين أو الناقدين إلى مواقع المشاركين فتح أعينهم على أساليب التحول الديمقراطي وآلياته، ومن ثم كان له إسهامه في إنضاج رؤيتهم لذلك التحول المنشود.

 

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول بأن التطور الحاصل في الفكر السياسي لدى التيارات الإسلامية، كان بمثابة استجابة للظرف التاريخي، تجلت في مواقف عدة، نستطيع أن نميز منها ثلاثة هي:

 

- اهتمام أعداد غفيرة من الباحثين في حقل الدراسات العليا في الجامعات بمحاولة التأصيل للفكر السياسي الإسلامي، وهو ما انعكس بوضوح على التزايد الملحوظ في كم أطروحات الماجستير والدكتوراه التي عالجت هذا الموضوع.

 

- اتجاه عدد غير قليل من أبرز الفقهاء إلى تبني اجتهادات فقهية وفرت تأصيلاً شرعيًّا للتعددية السياسية وللمشاركة في الانتخابات ولتدوال السلطة، وهي ذاتها الاجتهادات التي انحازت إلى ضرورة انتخاب الحاكم وأقرت بتحديد مدته، واعتبرت الشورى واجبة وملزمة، وليست معلمة فقط كما ادعى آخرون حينًا من الدهر، وللشيخ الدكتور يوسف القرضاوي يوجه أخص فتاوى مهمة ومفصلة في هذا الصدد.

 

- إقدام العديد من الحركات الإسلامية على القبول بالصيغة الحزبية، وسعيها للمشاركة في الانتخابات العامة في أكثر من قطر عربي، ومن ثم انخراطها في الصف الوطني الداعي إلى التغيير الديمقراطي.

 

(5)

هناك عقبات ثلاث تعترض تفعيل العامل الديني في الحياة السياسية والتحول الديمقراطي، العقبة الأولى تتمثل في الأنظمة القمعية التي تعتمد نهج الإقصاء والاستئصال، وتصر على احتكار السلطة، وهي في ذلك دائمة السعي إلى قطع الطريق أمام التيارات الإسلامية التي قد تصد ذلك الاحتكار، ورغم أن موقفها الأساسي رافض للديمقراطية وللمشاركة الشعبية، إلا أنها تغطي هذا الموقف بإطلاق حزمة من المزاعم التي تعتبر التيارات الإسلامية خطرًا يهدد الديمقراطية. بعد وضعها جميعًا في سلة واحدة، دونما تفرقة بين معتدلين ومتطرفين.

 

التطرف العلماني يعد عقبة ثانية، من حيث إن دعاته يتجاوزون حدود الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة، التي يتبناها المعتدلون من العلمانيين، ويذهبون إلى حد مخاصمة كل ما هو منسوب إلى الدين. ورغم أن فرصة الحوار مع الأولين تظل قائمة خصوصًا في القضايا الوطنية الملحة، إلا أن باب الحوار يظل موصدًا على الآخرين؛ لأن منطق التطرف العلماني الرافض الاعتراف بالتيارات الإسلامية من الأساس ذلك أن اعتراضهم في هذه الحالة لا ينصبُّ على بعض أفكار وتوجهات الإسلاميين، ولكنه ينصب على أصل وجودهم.

 

العقبة الثالثة تتمثل في عدم نضج بعض الحركات الإسلامية وعجز رموزها عن استيعاب بعض القيم الديمقراطية. وفي هذا الصدد فلعلي لا أبالغ إذا قلت بأن التنظير لإسهام الدور الإسلامي في التحول الديمقراطي، سبق بمراحل ممارسة ذلك الدور على صعيد الواقع. وهو سبب أحسب له أسبابه المقبولة. ذلك أن هامش التحرك على الصعيدين الفكري والثقافي أوسع بكثير منه على الصعيدين العملي والسياسي. فلا قيود في الأغلب على التفكير في الموضوع وقتله بحثًا، أما في الممارسة التي في ظلها يتم تنزيل الفكر على أرض الواقع، فإن المشهد يختلف إلى حد كبير، وقد يصل الأمر فيها إلى حد المصادرة كما هو معلوم.

 

ذلك يسوغ لنا أن نرجع عدم النضج الذي نتحدث عنه إلى عاملين، أحدهما يخص فكر الجماعات الإسلامية ذاتها، والثاني يتعلق بالمناخ السائد وموقفه من الحرية والديمقراطية. وهذان العاملان لا ينفصلان لأن تطوير الفكر وإنضاجه يعتمد في جانب منه على القدرات الذهنية ودرجة الرشد المتوفرة، لكنه يعتمد في جانب آخر على المناخ السائد الذي قد يستخلص من الجماعات السياسية ـ إسلامية أو غير إسلامية ـ أفضل ما فيها في حين أنه قد يغذي ويستخلص أسوأ ما فيها.

 

صحيح أن عملية ترشيد الفكر مهمة للغاية، وينبغي أن يبذل جهد مكثف لبلوغ تلك الغاية من جانب المعنيين بالشأن الإسلامي، سواء كانوا في داخل الحركة الإسلامية أم في خارجها، لكنه من الصحيح أيضًا أن إتاحة الفرصة لاحتكاك الفكر بالواقع، تمثل سبيلاً ناجعًا للإسراع بعملية الترشيد والإنضاج.

 

من الملاحظات أو المفارقات الجديرة بالذكر في هذا الصدد إن إسهام الحركات الإسلامية في الحياة السياسية والتحول الديمقراطي حقق نجاحًا في العالم الإسلامي، بدرجة تفوق بكثير ما حققته تلك الحركات في العالم العربي، ورغم أن الأخيرة أسبق في النشوء والتأسيس من الأولى، فذلك الإسلام قائم ونشط في دول مثل ماليزيا وإندونيسيا وباكستان وبنجلادش وتركيا، في حين أنه متعثر للغاية ومحاط بما لا حصر له من الشكوك والهواجس في العالم العربي.. وهي ملاحظة تحتاج إلى تحقيق وتفسير. وإذا جاز أن أسهم في تفسيرها فإنني قد أرجع الظاهرة إلى عاملين، الأول، اتساع هامش الحرية والديمقراطية في تلك الأقطار، الأمر الذي أسهم في تطبيع العلاقة مع التيارات الإسلامية.

 

أما العامل الثاني فهو يتمثل في تراجع حجم المصالح الغربية في تلك البلاد الآسيوية بالمقارنة بها في العالم العربي، حيث لا يزعج قوى الهيمنة الغربية مثلاً أن يفوز حزب إسلامي بالانتخابات في ماليزيا أو إندونيسيا أو بنجلاديش، إنما الأمر يختلف تمامًا لو أن ذلك حدث في أي قطر عربي؛ لأن مثل ذلك الفوز قد يؤثر سلبًا على المصالح الاقتصادية الحيوية للغرب في المنطقة (النفط والغاز)، كما قد يؤثر بذات الدرجة على الموقف من إسرائيل، وهذان الأمران يعتبران من الخطوط الحمراء في الإستراتيجية الغربية.

 

(6)

ثمة لغط يُثار حول التجربة الإسلامية في أفغانستان وإيران والسودان، وهناك كلام آخر يُقال عن الجزائر، ومديح واسع للتجربة التركية، وهو ما يستدعي وقفة لا تخضع تلك التجارب للتقييم، وإنما تحاول تفسيرها فقط.

 

فما جرى في أفغانستان وإيران والسودان على اختلاف طبيعة وملابسات كل تجربة، لم يكن تحولاً ديمقراطيًّا، ولكنه كان تطورًا انقلابيًا، ولذلك فإنه يصنف في سياق بعيد عن الذي نحن بصدده. أما الذي جرى في الجزائر فيساعدنا في فهمه أمران؛ الأول أنه تجربة لم تكتمل، بدت قفزة إلى الأمام، كانت بمثابة انتقال مفاجئ من طور الحزب الواحد إلى فضاء التعددية السياسية، مع غياب شبه كامل للثقافة الديمقراطية.

 

الأمر الثاني أن إجهاض التجربة من خلال الانقلاب العسكري الذي حدث في أعقاب ظهور نتائج الانتخابات التشريعية، كان نوعًا من العنف الذي أحدث رد فعل عنيف من ذات الدرجة وربما أكثر، الأمر الذي استدرج البلاد إلى دوامة العنف البائسة، وأفرز ما اصطلح على تسميته في الجزائر بالعشرية السوداء.

 

أما تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا التي يمتدح البعض ما وصفوه بالنضج والمرونة فيها، وبصرف النظر عن أية تحفظات تتعلق بتوجهاتها السياسية، فإنها لم تولد هكذا، ولكنها بلغت ما بلغته بعد حوالي ثلاثين سنة من الممارسة والمشاركة في الحياة السياسية، التي خاضتها الحركة الإسلامية تحت مسميات مختلفة. وكان طبيعيًا أن تؤدي تلك المشاركة سواء في الحكومة أو في المجلس التشريعي إلى تطوير الرؤية السياسية لعناصر الحركة، وهو ما مكَّن حزب العدالة مؤخرًا من تقديم برنامج حظي بدرجة عالية من القبول من جانب الرأي العام، الأمر الذي أوصل الحزب إلى السلطة على النحو الذي يعرفه الجميع. وهو ما يعزز ادعاءنا بأهمية دور البيئة الديمقراطية والممارسة العملية في انفتاح وترشيد خبرة الجماعات الإسلامية، بما يجعل منها عنصرًا يخدم التحول الديمقراطي ويعززه.

 

(7)

إننا لا نملك ترف الجدل حول ما إذا كان علينا أن نوظف العامل الديني في عملية التحول الديمقراطي أم لا، ناهيك عن أن ثمة علامة استفهام كبيرة حول الطرف أو الأطراف التي لها حق تقرير هذه المسألة والشرعية التي يستند إليها في ممارسة مثل هذه الوصاية على حركة المجتمع ومصيره.

 

إن ثمة أسئلة أخرى أكثر أهمية وإلحاحًا تطرح نفسها في هذا السياق، منها على سبيل المثال: هل نحن جادون حقًّا في التحول الديمقراطي أم لا؟ وهل نحن واعون أم لا بحجم التحديات الجسام التي تواجه الأمة، التي تستوجب توسيع نطاق الاحتشاد الوطني إلى أبعد مدى ممكن، بحيث يغدو استثناء أي فصيل وطني في هذه الظروف، بما يخل بواجب الاحتشاد المطلوب، جريمة بحق الحاضر والمستقبل؟

 

وهل من الحكمة أو من المصلحة الوطنية أن يُثار في الوقت الراهن سجال حول الأهداف النهائية وما إذا كانت الدولة ستكون علمانية أو إسلامية، في حين أننا لم نقم بعد الدولة المستقلة، وبيننا وبين ذلك الهدف النهائي أشواط وأشواط؟

 

إننا إذا قمنا في العالم العربي بجهد بسيط في تحديد أولويات المرحلة ومتطلباتها، فلن نجد فيها شيئًا من المختلف فيه مع التيار الإسلامي، وإنما سنجد أن الأولويات محصورة تقريبًا في الدائرة الوطنية، التي لا يختلف عليها فصيل وطني في هذه الأمة، فلماذا لا يحتشد الجميع حول ما هو متفق عليه، ويرحلون المختلف عليه إلى المستقبل، خصوصًا أن الجهد المبذول على صعيد الاتفاق يمهد الطريق ويفتح الأبواب للاقتراب بصورة أكثر نضجًا ورشدًا مما هو مختلف فيه.

 

ولست أجد سبيلاً للمضي في هذا الاتجاه سوى بالتقاء أهل الرشد والاعتدال من الأطياف المختلفة، وتشاورهم حول استحقاقات المرحلة وأولوياتها إذ أزعم أن هؤلاء وحدهم هم المؤهلون لقيادة سفينة العمل الوطني المشترك وإيصاله إلى هدفه في سلام وأمان.

 

ولا أستطيع أن أختم دون أن أذكر بأهمية الانتباه إلى تعزيز بناء المجتمع وتقوية حصونه، المتمثلة في قواه السياسية ومؤسساته الأهلية التي بغيرها يصبح المجتمع والوطن في خطر داهم.

--------------

* ورقة البحث التي قدمها الأستاذ فهمي هويدي في المؤتمر السنوي السادس حول "الإصلاح والتحول الديمقراطي في الوطن العربي" 9 ـ 10 مايو 2006 الشارقة بدولة الإمارات العربية.