منير شفيق

عندما تشكلت حركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح" كان في ذهنها، أو في مشروعها الأول، أن تكون الجبهة الوطنية التي يتوحد داخلها الشعب الفلسطيني بمختلف أطيافه. وكان نموذج جبهة التحرير الجزائرية الأقرب إلى تصورها بالنسبة إلى الصيغة الجامعة، أو إطار الوحدة الوطنية.
لكنها سرعان ما تخلت عن هذا المشروع لأسباب عملية وواقعية، ربما كان أهمها قرار القمة العربية، بتكوين "منظمة التحرير الفلسطينية" 1964م، ثم جيش التحرير الفلسطيني.
كان إطار المنظمة شبيهًا بجبهة التحرير الجزائرية أو الاتحاد الاشتراكي في مصر أي منظمة أفراد وليس فصائل وحركات وأحزاب من نمط الجبهات المتحدة التي عرفتها تجارب أخرى كثيرة من بينها الجبهة الوطنية الفيتنامية بقيادة الحزب الشيوعي.
هنا وجدت فتح أن الدخول في المنظمة يتطلب حلها لنفسها. ولهذا اختارت أن تتمثل بعددٍ من الأفراد بصفتهم الشخصية، وهكذا فعلت الفصائل الفلسطينية الأخرى التي كانت تتشكل في ذلك الوقت من فروع للقوميين العرب وحزب البعث والناصريين. أما من جهة أخرى فقد وجدت فتح أن مشروعها سوف يُهمّش ما لم تسارع إلى العمل المسلح وإعلان الثورة الفلسطينية لتحرير فلسطين. وكان المستهدف القسم الذي اغتصب من فلسطين عام 1948م/1949م، والذي قامت عليه الدولة العبرية. وبالفعل أطلقت رصاصتها الأولى، كما عبَّر عنها البلاغ الأول 1/1/1965م.
ثم سرعان ما أخذت تتكاثر فصائل المقاومة لتشق طريقًا موازيًا (وناقدًا) لمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة المرحوم أحمد الشقيري. وكان من الطبيعي في تلك المرحلة أن تُفتح حوارات لتوحيد الفصائل المؤمنة ببدء معركة التحرير من خلال الكفاح المسلح. ولكن بعد جولات من الحوار لم تخرج بنتيجة، قررت فتح بديلاً عُبِّر عنه بشعار الالتقاء على أرض المعركة. أي الوحدة الوطنية من خلال ممارسة الكفاح المسلح. أي وحدة وطنية موضوعيًّا. وليس عبر اتفاق على إطار وبرنامج.
لكن حرب الخامس من حزيران 1967م، ومن بعدها مباشرة نـزول فتح إلى الضفة الغربية (ياسر عرفات شخصيًّا)، وبدء عملية جمع السلاح والتعبئة لإطلاق المقاومة التي أصبحت لها الآن أرض تتقبلها. بل وتريدها ردًّا على ما اعتبر هزيمة أو نكسة. وجاءت معركة الكرامة، ودور فتح فيها، ليُقبِل عليها الشباب والمتطوعون من فلسطينيين وعرب أفواجًا، ولتصبح القوة الرئيسية. وقد مهدت هذه الشعبية ليبادر الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى دعمها وترشيحها لتسلّم قيادة (م. ت. ف).
دخول فتح إلى المنظمة فرض تغييرًا على نظامها الداخلي في ما يتعلق بالعضوية إذ أصبحت عضوية فصائل، زائد، شخصيات مستقلة وممثلي نقابات. ومن هنا تبدأ قصة طويلة في الكيفية التي عبَّرت فيها منظمة التحرير عن وحدة الشعب الفلسطيني وترميز كيانيّته.
لو عاد المرء، أو كل فصيل فلسطيني لمراجعة، تاريخه وتاريخ الوحدة الوطنية الفلسطينية، وما عرفه ميثاق المنظمة وخطها السياسي من صراعات وخلافات لخرج بصورة تختلف تمامًا عن تجربة جبهة التحرير الجزائرية أو الجبهة الوطنية الفيتنامية أو أية جبهة مماثلة. ولعل السبب الأساسي الذي فرض تلك الظاهرة التي تتسم بوجود وحدة وطنية شكلاً وانقسامات وخلافيات، أعلى منها صوتًا، عمليًّا، في آن واحد، هو الشتات الفلسطيني وعدم التواجد على أرض واحدة، أو فوق قاعدة محررة واحدة. مما جعل للامتدادات العربية، وللتناقضات العربية دورًا أساسيًّا في رسم خطوط هذه السمة وطبيعتها.
وهنالك مَن يميل إلى إعطاء أهمية أكبر، أو موازية، لطبيعة القيادة الفتحاوية، أو قيادة ياسر عرفات بالذات من جهة، ولطبيعة الفصائل الأخرى وقياداتها من جهة ثانية، في تشكّل تلك السمة الفريدة في الساحة الفلسطينية. والتي ما كان من الممكن أن ينفع معها غيرها. وقد أخطأ كثيرون في نقد تلك الحا