الخرطوم- عواصم- رويترز- ووكالات

كثَّف الوسطاء الدوليون والأفارقة من الجهود المبذولة في صدد تفعيل اتفاق السلام الأخير الذي جرَى التوقيعُ عليه بين الخرطوم وفصيل تمرد رئيسي في إقليم دارفور في العاصمة النيجيرية أبوجا الجمعة الماضية برعاية الاتحاد الأفريقي، وإدخال كافة أطراف النزاع في الإقليم في إطار الاتفاق، فيما تزايدت حدة الانتقادات الدولية الموجَّهة؛ بسبب تأخر المساعدات عن لاجئي دارفور في مخيمات اللجوء الواقعة في شرقي تشاد.

 

وقالت وكالة (رويترز) للأنباء: إن ستةً من وسطاء الاتحاد الأفريقي قد وجَّهوا رسالةً مفتوحةً أمس الأربعاء إلى المتمردين الرافضين للاتفاق، أوضحوا خلالَها بالتفصيل الفوائدَ التي ستعود عليهم وعلى شعب دارفور من وراء الاتفاق.

 

وصرَّح الوسيط الأفريقي سام إيبوك قائلاً: "هناك محاولاتٌ كثيرةٌ للغاية لعرض الاتفاق في صورة سيئة"، وأضاف- مشيرًا إلى المظاهرات التي اندلعت بمخيمات النازحين في دارفور-: "استجاب الناس لمعلومات أُخذت من طرفٍ واحدٍ، ليس لديهم الصورة الكاملة".

 

وبعد حوالي عامين من المحادثات في نيجيريا وافق فصيل متمرد واحد تابع لحركة جيش تحرير السودان يقوده ميني أركوي ميناوي على التسوية، فيما لا يزال عبد الواحد محمد النور- زعيم الفصيل المنافس لفصيل ميناوي بالحركة- موجودًا في العاصمة النيجيرية أبوجا؛ حيث يتعرَّض لضغوط دبلوماسية للتوقيع على الاتفاق، وتنتهي المهلة أمام أي توقيعات جديدة في 15 مايو الحالي.

 

وهذا الفصيل ضعيفٌ عسكريًّا، غير أن المجتمع الدولي حريصٌ على الحصول على تأييدِه للاتفاق؛ لأنه ينتمي إلى قبيلة فور، وهي كبرى قبائل دارفور، والتي حصل الإقليم على اسمه منها، فيما يسيطر ميناوي على عدد أكبر من المقاتلين، رغم أنه ينتمي إلى قبيلة الزغاوة الأصغر حجمًا.

 

وقال إيبوك في هذا الإطار: "الرسالة المفتوحة موجَّهةٌ أولاً وبشكل رئيسي إلى عبد الواحد (النور) وأتباعه"، مؤكدًا على أنه سيتم الإعداد لحملة لإطلاع أهالي دارفور على ما يقدمه لهم الاتفاق، وسيشمل ذلك منشورات توضيحية باللغة العربية.

 

وشدَّدت الرسالة المفتوحة- التي كان إيبوك أحد الموقِّعين عليها- على أن بعض الشكوك التي عبَّر عنها المتمردون بخصوص الاتفاق نبعت من الجهل بمحتواه أو من سوء فهمه، وقالت: "في الوقت الحالي لا شيء لديكم، كل شيء في الاتفاق مكسب، وإذا حصلتم على تأييد الشعب يمكنكم جني المزيد"، وذلك في إشارةٍ إلى الانتخابات التي أكد الاتفاق على أنها يجب أن تُجرَى في غضونِ ثلاث سنوات في الإقليم؛ حيث قالت الرسالة: "مَن يفوز في تلك الانتخابات يحكم دارفور".

 

وفي خصوص الترتيبات الأمنية كتب الوسطاء أنها أفضل جزء في الاتفاق بالنسبة للمتمردين، وقالت الرسالة: "هناك خطةٌ واضحةٌ للتعامل مع مشكلة الجنجاويد" مشيرةً إلى أنها خطة تنفَّذ على مراحل يتعين بموجبها على الحكومة نزع سلاح الجنجاويد قبل أن يُطلب من المتمردين إلقاء أسلحتهم، وأضافت الرسالة حول هذا الملف: "سيَجري إنشاء مناطق منزوعة السلاح على طول ممرات الإمدادات الإنسانية وحول مخيمات النازحين، وفي المناطق العازلة التي تفصل قوات الطرفين".

 

على صعيد متصل دعا ممثل الأمم المتحدة في الخرطوم يان برونك الحكومةَ السودانيةَ إلى السيطرة على ميليشيات الجنجاويد المسلَّحة، وتعهَّد بمنع قادة الفصائل الرافضة لاتفاق السلام من دخول أوروبا.

 

وقال برونك- في تصريحات نقلتها إخبارية (الجزيرة) الفضائية أمس الأربعاء 10 مايو-: إن هناك مجموعاتٍ تقوم بعمليات نهب، "وعلى الجميع حماية المواطنين منها"، واصفًا الذين رفضوا توقيع اتفاق السلام بـ"الجبناء"، ودعا برونك فصائل التمرد- الرافضة لاتفاق السلام وتلك التي وقَّعته بعد تردد- إلى إعادة النظر بقراراتها، وتوعد بأن يتخذ مجلس الأمن "بعض القرارات بشأنهم".

 

وقال إن المفاوضين من حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور "لم تكن لديهم إرادةٌ لتحقيق السلام؛ لأنهم لم يأتوا من دارفور بل جاءوا من أوروبا"، وأضاف أنه لن يُسمح لهؤلاء إذا ما تم تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1591 "بالسفر إلى تلك الدول الأوروبية أو العمل والدراسة فيها". 

 

وعلى صعيد آخر وفي خصوص الملف الإنساني اتُّهِم منسق عمليات الإغاثة الدولية الخاصة بإقليم دارفور يان إيجلاند العالم بتجاهل مأساة اللاجئين المقيمين في مخيمات اللجوء الموجودة في شرق تشاد، ومن بينهم حوالي 200 ألف لاجئ من دارفور.

 

ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن إيجلاند قوله إنه لم يتم جمع سوى القليل جدًّا من الأموال المطلوبة لتقديم الأغذية للاجئين، وأشار إيجلاند في هذا الشأن إلى أن ما تم جمعه من الأموال أقل من 16% من حجم المطلوب للإغاثة في تشاد، وقال إيجلاند أيضًا إن الأوضاع الأمنية في مخيمات اللاجئين في شرق تشاد تدهورت بشكل كبير؛ لتتحول إلى فوضى شاملة، واعتبر إيجلاند أن أزمة اللاجئين في تشاد "تعرَّضت للنسيان بسبب الأحداث في دارفور".

 

وقد أدت الأزمة في دارفور إلى مقتل حوالي 200 ألف شخص، وفرار ما يقرب من مليونين من سكان الإقليم من بيوتهم هربًا من الصراع الدائر هناك، وقد عبر الكثير من هؤلاء الحدودَ إلى شرق تشاد؛ حيث أقاموا في مخيمات مؤقتة للاجئين، ثم انضم إليهم بعض النازحين من الصراعات الداخلية في تشاد.

 

في هذه الأثناء أعلن السودان أنه سيبدأ في منتصف الشهر الحالي نزعَ سلاح مليشيات الجنجاويد، في الوقت الذي عبَّر فيه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن رغبته في تسريع نشر قوات دولية في دارفور.

 

وقال رئيس الوفد الحكومي السوداني في مفاوضات دارفور مجذوب الخليفة أحمد- في مؤتمر صحفي-: إن نزع سلاح الجنجاويد ومليشيات أخرى سيبدأ في 15 مايو، وإن الرئيس عمر البشير أصدر بالفعل الأمر إلى القوات المسلحة للقيام بهذه العملية، وأكد الخليفة على أن الاتحاد الأفريقي الذي رعى اتفاق السلام سيراقب تطبيق العملية "بمساعدة المجتمع الدولي".

 

من جهته قال وزير الدولة بوزارة الخارجية السودانية السماني الوسيلة لـ(الجزيرة): إن العملية ستشمل تحديد أماكن يتم فيها جمع أسلحة جميع المليشيات، وردًّا على سؤال عن الموقفِ من نشرِ قوات دولية بالإقليم أوضح الوسيلة أن موقف الحكومة ثابتٌ في أن الأولوية في المرحلة الحالية هي بسط الأمن وحثّ الحركات المسلَّحة على الانضمام لاتفاق السلام.

 

في غضون ذلك قال المندوب الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة السفير جون بولتون: إن واشنطن وزَّعت مشروعَ قرارٍ يدعو القوات الدولية المنتشرة في جنوب السودان إلى تقديم الدعم للقوة التابعة للاتحاد الأفريقي في دارفور، وذلك قبيل جلسةٍ وزاريةٍ لمجلس الأمن لبحث مسألة دارفور، ويدعو مشروع القرار الحكومةَ السودانيةَ إلى التعاون بشكل كامل وإلى السماح لفريق فنيٍّ تابعٍ للأمم المتحدة بالتوجه إلى إقليم دارفور لتقييم حاجة القوة التابعة للأمم المتحدة البالغ عددها 10100 والمتوقَّع أن تخلف القوة الأفريقية الموجودة حاليًا في الإقليم (مكونةً من سبعة آلاف جندي).