أذكر هنا في بداية كلمتي نكتة مصرية شهيرة لأحد المسئولين الكبار.. أنه وفي فترات مرضه قال له رئيس الوزراء "الشعب جاي يودعك يا.." فردَّ عليه سريعًا "ليه؟! هو الشعب رايح فين؟!".
وهذا يعبِّر عن واقعِ جميع المسئولين بمصرَ؛ حيث لا يستقيلون أبدًا حتى ولو رحل الشعب كله، سيظلون يحكمون الهواءَ وقناة السويس ونهر النيل والمباني والسياحة والبيزنس والمصالح، فهي في الأصل ما يحكمه هؤلاء وليس الشعب المصري الأصيل.
وأتعجَّب من الحديث الدائر في أروقة النظام عن تعميق روح الديمقراطية، وهي خطاباتٌ للاستهلاك المحلي فقط، أما الواقع فهو يفضح جميع المسئولين في بلادنا؛ حيث إنهم لا يقبلون الآخر مطلقًا حتى ولو شكَّلت المعارضة قرابة ربع البرلمان، فلا مشاركةَ في أي شيء، والشعار القائم بالبرلمان: "ولا حتى نص لجنة"!!
وحتى لو تصدَّى القضاة والصحفيون والإخوان وجميع الناشطين ونواب الشعب والشعب نفسه لقانون الطوارئ الكابت للحريات والمكمِّم للأفواه.. فنصيب الجميع الإبعاد ولجان الصلاحية والاعتقال ومحاولات تشويه الصورة والتهميش والإقصاء، وشعار النظام هنا "لا صوت يعلو فوق صوت الأمن"!!
وعندما حدثت وفَيات بأقسام الشرطة والسجون، وحالات "إيدز" للمساجين، واعتقال الصحفيَّين والإعلاميَّين عبد القدوس وعبد الغني- وكل عبيد الله مصيرهم السجن في هذا العصر الأمني الأسود- وما حدث من هتك عرض مواطنات مصريات بالاستفتاء، وتزوير انتخابات صارخ وصريح، وإهانة للقضاة بعد الاعتداء عليهم، والانفلات الأمني الواضح بكل مكان.. من الأقصر وطابا وشرم الشيخ ودهب والأزهر.. والكثير من الجروح على مر العصور، ثم تأتي أحلام المواطنين بسيطةً مقارنةً ببعض ما يحدث، وهو أن يستقيل أو يقال وزيران بالحكومة، تخرج علينا التصريحاتُ السريعة التي لم نجدها في العديد من مطالب المواطنين وهو "كل شيء زي ما هو بدون تغيير ولن نستجيب لإرادة الأمة" وكأنني أرى نظامًا يحكم شعبًا ويُصدر قراراتٍ لشعب آخر.
ألا يُدرك النظام بكل مؤسساته أنه في الأصل يعمل لتحقيق مطالب ورغبات واحتياجات الأمة؟ أم أنه جاء للسلطة ليرث الأرض ومن عليها بمفرده هو والفئة الفاسدة التي لم تقدم الخير أبدًا للشعب؟ ألا يعلم أن دعوات المظلومين حتمًا ستصيب الظالمين يومًا؟
ولكنني أدرك أن التغيير دومًا لم يأتِ بيدِ مَن أفسدوا، وأؤمن أن الأمل دائمًا موجودٌ بالأمة التي لن تموت، وسوف تنتفض يومًا ما لنصرة الحق والمطالبة بالحريات للشعب بكل فئاته، ولن يطول ذلك كثيرًا؛ حيث لا يظهر ضوء الفجر إلا بعد ظلام الليل الحالك، وأرى أن الأمة الآن في وقت السحر من الليل والفجر قادم، ووقتها لن ينفع الظالمين الندم ولا العذر ولا الاستقالة ولا الأسف؛ لأن غضبة الشعوب لا رادعَ لها، ولن يرحل هذا الشعب أبدًا كما يظن المرضى؛ فهو صاحب الأرض الحقيقي وليس الغاصبون.
---------
* باحث إداري