من حُسن الطالع لدى البعض وسوئه لدى البعض الآخر أن العلاقة التي تجمع الشعبَين الأردني والفلسطيني متجذِّرةٌ ومتلازمةٌ، لا سيما على المستويين الجغرافي والديمغرافي.. بل إنَّ هذه العلاقة لا توازيها علاقةٌ بين شعبَين آخرَين على الإطلاق، ولا زِلتُ أذكر قصص جدِّي، بذهابه كل يوم جمعة للصلاة في المسجد الأقصى من الأردن والعودة بعد قضائها مع غروب نهار ذلك اليوم!!
جغرافيًّا الأردن ملاصق تمامًا لفلسطين من حدوده الغربية، وله أطول حدود برية معها؛ إذ تبلغ 360 كم، وأما عن الجانب الديمغرافي فإن هناك حالةَ امتزاجٍ عظيمةً تجمع الشعبَين، بل تطوَّرت مع الزمن لتصبح حالة مصاهرة، وتوحد في اللهجة- إلى حد ما- والطبائع والعادات، حتى إنك لا تستطيع أن تفرق كثيرًا بين شخص فلسطيني وآخر أردني.
وعليه فإن الفوز الذي حقَّقته حركة حماس في فلسطين- من خلال انتخاب الغالبية العظمى من الفلسطينيين لها- هو بالضرورة ينطبق على الشقِّ الشرقي من النهر، فالمحبة والتأييد الذي يكنه الفلسطينيون لحماس يحملها ذات الشعب على الشق الشرقي من النهر، وسنوات التشويه التي مارستها السلطة الفلسطينية بحق قادة حماس وعناصرها عبر سنواتٍ مضت لم تأت بنتيجة تُذكر، ولم تُحدث أيَّ تأثير سلبي على الحركة، بدليل النتيجة الكبيرة التي حقَّقتها الحركة في انتخاباتها التشريعية الأخيرة.
لقد كانت صدمة الشعبَين الأردني والفلسطيني واحدةً وكبيرةً؛ جرَّاء التُّهَم التي وجَّهتها الحكومةُ لحركة حماس، من تخزين أسلحةٍ، واستهدافِ شخصياتٍ رسميةٍ!! وكانت الصدمةُ من الجهة المتَّهِمة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تقوم حماس باستهداف شخصياتٍ أردنيةٍ أو منشآتٍ أردنيةٍ لأي سببٍ كان، وهي التي صمَّت آذانها عن الممارسات القاسية والعديدة بحقها، عبر سنوات طويلة من قِبَل السلطة الفلسطينية، وهي التي أيضًا تغاضَت عن عشراتِ الشهداء الذين سقطوا في سجون سلطة "أوسلو" في تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1996، حينما قامت باعتقال واغتيال قادة حماس في الضفة، وعلى رأسهم المهندس الثاني في كتائب القسام محيي الدين الشريف، والقائدين الشقيقَين عادل وعماد عوض الله.
صمْت حماس لم يكن عن ضَعف أو هَوان، وإنما كان حفاظًا على المصلحة الوطنية؛ ولأنها تعلم تمام العلم أن المستفيد الوحيد من أي نزاع داخلي فلسطيني فلسطيني أو فلسطيني عربي هو العدو الصهيوني، ولو أرادت حماس الانتقامَ من السلطة الفلسطينية لكان بإمكانها ذلك الآن، أي وهي على رأس الحكومة الفلسطينية!!
لا يوجد لحماس أي مصلحة من استهداف أمن واستقرار الأردن، بل إن مصلحة حماس كما الأردن تقتضي أن تكون هناك حالةٌ من التقارب والتوحُّد في المواقف؛ لأن العدوَّ واحدٌ- وهو الذي احتل فلسطين- ينظر الآن بعينه الحاقدة إلى الأردن على أنها جزءٌ لا يتجزَّأ من دولتهم المزعومة، بل إن جهاز مخابرات العدو (الموساد)- هو الذي استهدف أمن الأردن وقادة حماس على أرض الأردن، أثناء محاولة اغتيال رئيس مكتبها خالد مشعل!!
العلاقة التي تجمع الشعبَين الأردني والفلسطيني أعمقُ من أن تنزعها مزاعم لا أساس لها من الصحة، كما أن حركة حماس أكبر من أن تنزلق إلى هذا المنزلق، خصوصًا في هذه الأوقات التي تمر بها الحركة، بل إن من أدبيات كتائب القسام ألا يكون لها أعضاء خارج حدود فلسطين على الإطلاق، وحصرت صراعها مع الصهاينة فقط داخل فلسطين، أي حتى اليهود خارج فلسطين لا تستهدفهم الحركة ولم يحصل ذلك يومًا ما، فكيف بها وهي تستهدف منشآتٍ وشخصياتٍ أردنيةً؟!
كان الأجدرُ بحكومتنا أن تحاولَ البحثَ عن السبل الممكنة لتقديم المساعدة للشعب الفلسطيني، لا أن تقومَ بالبحث عن ذرائعَ أراها واهيةً لعدم استقبال وزير خارجية حماس الدكتور محمود الزهار، لا سيَّما أن التُّهَمَ الأردنيةَ وتوقيتَ الزيارة كانا في وقتٍ واحدٍ؛ لتتسع الفجوة ما بين الحكومة والشعب، ولتصبَّ حكومتُنا النارَ على الزيت بهذا الفعل الذي استنكرتْه جميع أطياف الشعبَين!!
لقد أصبح واضحًا للعيان الآن بأن المطلوب هو رأس حماس، وجميع الطرق والوسائل "مسموحة" بُغيةَ تحقيق هذه الغاية "الرخيصة"، ولقد أصبحت دولٌ عربيةٌ عديدةٌ تسير في فلك الأهداف الصهيو أمريكية!!
أرى أننا يجب أن نجدد ثقتَنا بحركة حماس، وثقتَنا بشعبنا المتواجد غرب النهر، من خلال "التدافع" والتنافس بالخير، ومن خلال إرسال المساعدات العينية والمالية للشعب الفلسطيني وبلا حدود؛ ليكون ذلك هو ردنا على الغرب وكل المتآمرين على إرادتنا.
كنت آمل أن يخصص التلفزيون الأردني يومًا كاملاً لدعم صمود الشعب الفلسطيني، فمأساة الشعب الفلسطيني لا تقل سوءًا عن مأساة غيرهم من الشعوب المنكوبة، والفرق هنا أن مأساةَ الفلسطينيين لا أُفُقَ واضحَ لنهايتها أو شكل هذه النهاية، ولا نظن بالغرب خيرًا إذا ما تبدلت الحكومة الفلسطينية (حكومة حماس)، وحقيقةً أثمِّن الخطوة التي قامت بها جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، من العمل الجادِّ لدعم صمود الشعب الفلسطيني، ولم يتبقَّ إلا المبادرة الصادقة من الشعوب الحرة لتقول كلمتها.