يبدو أن الحديث عن العالم العربي عندما يتعلق الأمر بإيران وقدراتها النووية يتجه إلى التمييز بين منطقة الخليج وبقية مناطق العالم العربي؛ حيث تشعر منطقة الخليج فعلاً بالقلق من قدرات إيران لأسبابٍ عديدةٍ أبسطها أن إيران النووية سوف تتسبب في صراع عسكري يضر منطقة الخليج, كما أن المفاعلات النووية الإيرانية قد تصيب المنطقةَ بأضرارٍ، حتى لو افترضنا حسنَ النيةِ من جانبِ إيران.

 

فقد لوحظ أن بعضَ التعليقاتِ العربيةِ على الأزمةِ النوويةِ الإيرانيةِ أنها تحذِّر من مخاطر الطموحات النووية الإيرانية على العالم العربي وخاصة منطقة الخليج، فيما عمدت تعليقاتٌ أخرى إلى المقارنة بين الخطر الإيراني والخطر الإسرائيلي, وخلصت صراحةً إلى أن إسرائيل لا تمثِّل خطورةً على العالم العربي بسلاحها النووي، بينما إيران هي الأخطر، وحجتها في ذلك هي نفس الحجة الأمريكية, وهي أن إسرائيل نظام يتسم بالرصانة, ولا يمكن أن يستخدم هذه الأسلحة، بينما نظام إيران الإسلامي متطرفٌ ويمكن أن يهدِّد المنطقة بهذه الأسلحة.

 

ويلاحظ أنَّ المقارنةَ بين إيران وإسرائيل في هذا السياق تفترض أن إيران تحوز أسلحةً نوويةً مثل إسرائيل, وهو أمرٌ نفته إيران وقررته الوكالة الدولية ومراكز الأبحاث النووية العالمية، وإذا كان بعض الذين يرون إيران أخطرَ من إسرائيل خلال الأزمة النووية يتخذون هذا الموقف انسجامًا مع الموقف الأمريكي, فإن بعض الكتابات الثقافية العربية قد جعلت إيران مساويةً لإسرائيل في خطرها على المنطقة العربية, وكان ذلك خلال الحرب العراقية الإيرانية, وهو خطرٌ أكدته بغداد حينذاك، حتى تجنَّد العالم العربي ضد إيران, خاصةً وأن بغداد كانت ترى أنها رأس الحربة العربية والدولية لمهاجمة إيران.

 

وكان هذا الخط يرضي واشنطن وتشجع عليه؛ لأنه يؤدي إلى تخفيف الكراهية العربية لإسرائيل وتوزيع الكراهية على إيران أيضًا، وبعد غزو العراق للكويت التزمت واشنطن خطًّا مدروسًا يقضي بالقول بأن الأمن القومي العربي لم يمنع غزو العراق للكويت؛ بل إن هذا الغزو قد تمَّ باسم العروبة، مما يعني أن العروبة أصبحت خطرًا على الدولِ العربية نفسها, كما كانت بالأمس خطرًا على الدول المجاورة عندما قام صدام حسين بحجة حماية البوابة الشرقية للعالم العربي بغزو إيران، ثم تقدم هذا الخط خطوةً أخرى، وهي أن الخطر ليس إسرائيل, وإنما يكمن الخطر في العراق وإيران، ولذلك فإن احتواء واشنطن لكليهما ضمن سياسة الاحتواء المزدوج هو خيرُ ضمان للدفاع عن دول الخليج. ومؤدى هذا الخط أن الأمن القومي العربي القائم على قدرة العالم العربي على ضمان أمن أعضائه, وأن هذا الأمن يعتبر إسرائيل هي المهدد له, قد انتهى, كما أنه لم يعد هناك أمنٌ عربي, وإنما لكل دولة أمنُها ومهدداتٌ مختلفةٌ لأمنها، بحيث أصبحت واشنطن هي الحاميَ لدولِ الخليج ضدَّ إيران والعراق.

 

وخلال الأزمة النووية الأمريكية الإيرانية ألمح المعلقون إلى أن الخطر الإيراني يتطلب استمرار الوجود والالتزام الأمريكي بحماية دول الخليج ومواردها النفطية؛ على أساس أن واشنطن وإسرائيل ودول الخليج في خندق واحد, فلم تعد إسرائيل هي العدو إلا في سجلات الماضي العربي، وهذه الفرضية هي التي تشجع واشنطن وإسرائيل الآن على الفصل بين القضية الفلسطينية من ناحية, وبين العلاقات العربية الإسرائيلية وفك الارتباط بينهما, بحيث لكل اعتباراته ودواعيه، ويضيف المعلقون المتأمركون أن إيران أخطر من الولايات المتحدة؛ لأن إيران جزءٌ من المنطقة، بينما القوات الأمريكية سوف ترحل إن آجلاً أو عاجلاً.

 

في ضوء ما تقدم تبدو القضية بأبعادها جزءًا من الحوار في العالم العربي, ولذلك فمن المهم مناقشة هذه القضية بطريقة موضوعية.

 

لعل النظر إلى مصدر الخطر على العالم العربي يرتبط بمدى تأثر المصالح الأمنية والسياسية العربية بمصدر هذا الخطر، فمن الناحية التاريخية كانت إسرائيل هي المهددَ الأكبرَ ليس فقط للمصالح العربية، وإنما للوجود العربي؛ وذلك نظرًا لأنها كيانٌ زُرِع على حساب شعب فلسطين، ولا يزال يتمدَّد حتى يبتلعَ كالتنين أرضَ فلسطين.

 

 ثم إن إسرائيل بمشروعها الصهيوني تسعى إلى فرض الهيمنة السياسية والإستراتيجية على المنطقة العربية بالقوه العسكرية وبالاستعانة بالولايات المتحدة لتفكيك الروابط بين الدول العربية واختراقها, فضلاً عن سعي إسرائيل إلى تعويق المصالح المشتركة العربية الأمريكية وسائر العلاقات العربية الدولية، يكفي أن الصراع العربي الإسرائلي صار محورَ حياة العالم العربي وعلاقاته الخارجية منذ قيام إسرائيل.

 

وأحدثت طريقة التعامل مع إسرائيل داخل العالم العربي انقسامًا حادًّا كلَّف مصر والعالم العربي معًا عشر سنوات من القطيعة, بينما تزدهر إسرائيل، خلاصة القول: إننا لا نوافق على أن الصراع بين العرب وإسرائيل هو صراعٌ ديني وليس صراعًا حضاريًّا, ولكنه صراعٌ بين قوم يعيشون في ديارهم وكائن سياسي استعماري طرأ عليهم تتناقض طبيعته مع حياة العالم العربي، وثبت أنه لا يريد أن يقنع بمعظم فلسطين، وتسبب الصراع معه في زيادة ملايين من العرب والفلسطينين ضحايا الصراعات المسلحة غير المتكافئة والإبادة الإسرائيلية المنظمة للشعب الفلسطيني حتى تخلص لإسرائيل بقية أرض فلسطين.

 

كذلك أصبحت إسرائيل بحكم طبيعتها شريكًا للولايات المتحدة في تمزيق العالم العربي، وبدأت بالعراق، وتثير الأزمات مع سوريا وداخل لبنان وليست بعيدةً عن الحرب الأهلية في العراق، وربما في أوطان عربية أخرى قادمة, يساعدها في ذلك أوضاع التدهور السياسي وانعدام الديمقراطية وعجز النظم العربية عن إدارة المجتمعات واحتواء أبنائها، فتلعب إسرائيل على هذه المتنافضات العربية.

 

يترتب على ما تقدم أن إسرائيل بحكم مشروعها الصهيوني المتوجه إلى المنطقة العربية هي المهدد الدائم للوجود العربي، وأن أي تسوية معها لن تكون دائمةً، وكل تراجع عربي أمامها بدعوى الواقعية يتلوه تراجعٌ أكبر حتى نهاية المشروع الصهيوني, وهو تجسيدٌ للصراع بين هجمة توسعية استيطانية استعمارية خارجية وبين العالم العربي بذرائعَ دينيةٍ وتاريخيةٍ ساذجةٍ.

 

أما إيران فهي جزءٌ من تاريخ المنطقة في العصور القديمة والحديثة، وهي جزءٌ من المنطقة بثقافتها واندماجها وطموحاتها وصراعاتها, وليس كيانًا وافدًا على المنطقة، كما أنها قوةٌ إقليميةٌ، وإن أفقدتها ظروفُ الجغرافيا السياسية المحيطة بها ممارسة دور، سواء في آسيا أو في الخليج والمنطقة العربية.

 

ولا شك أن إيران تتمتع بنزعةٍ قومية جارفةٍ، وسبب ذلك تاريخها كقوة عظمى في عصور ما قبل الإسلام, أو بسبب مكانتها في الإستراتيجية الأمريكية في مرحلة وراثة بريطانيا في الخليج وضد الاتحاد السوفيتي طوال الحرب الباردة حتى قيام الثورة الإسلامية في طهران عام 1979م.

 

على الجانب الأخر عندما ظهرت القومية العربية كحركة تحررية لكل المنطقة العربية حصل احتكاكٌ وعداءٌ بين القوميتين خاصة عندما وصلت القومية العربية إلى سواحل الخليج العربي, حيث قامت السياسات الناصرية على أساس أن طهران قبل الثورة كانت حليفًا للغرب وهي استمرار للوجود الغربي، وأن الأقليات الإيرانية في الخليج تهدِّد الخليج وتهدِّد عروبته، وبينما خَبَت الروح القومية بعد 1967م ثم بعد الغزو العراقي للكويت, توثبت الروح القومية الإيرانية في عهد الشاه ثم توهجت بشكلٍ أكبر بعد الثورة الإسلامية, وزاد التوهج خلال حصار العالم كله لإيران أثناء الصراع المسلح مع العراق, ولا يزال هذا الشعور يزداد ثقةً وتوهجًا بظهور طموحات إيران النووية, وكذلك كلما تجدد الحديث عن حصار إيران وضرب منشآتها النووية، فما المخاطر التي تمثلها إيران على العالم العربي قبل تحولها إلى دولة نووية, ثم بعد تحولها إلى هذا المستوى سواء بشكلٍ مستقلٍ عن مقارنتها بإسرائيل أو بالمقارنة بإسرائيل؟!

 

لم يسبق أن استخدمت الثورة الإيرانية بعد الثورة ضد المنطقة العربية, وليس عليها من مأخذ سوى موقفها المتعنِّت من الجزر العربية الثلاث في الخليج وإصرارها على ضمها ورفض أي طريق للتسوية السلمية للنزاع حولها، ويرى البعض أن التحالفات الأمريكية مع دول الخليج كانت سببًا في تأرجح العلاقات الإيرانية الخليجية، ولكن هذه العلاقات على الجملة ظلت بعد الثورة وحتى بعد موجتها الأولى ودعاوى تصدير الثورة عند مستوى معقولٍ من الاستقرار مع مثابرةِ طهران على منعِ دول الخليج من الوقوعِ تحت التأثيرِ الأمريكي في الأزماتِ السياسيةِ المتلاحقةِ بين إيران والولايات المتحدة.

 

كذلك قُطِعت العلاقاتُ الدبلوماسية بين إيران ومصر وتونس وموريتانيا والجزائر بسبب اتهامات أمنية, وكذلك موقف مصر من شاه إيران عقب الثورة وتناقض الموقفين المصري والإيراني من سبل التسوية السلمية مع إسرائيل، فإذا توصلت إيران إلى الطاقة النووية السلمية وحتى لو توصلت إلى سلاح نووي.. فماذا تريد إيران أن تحققه في الدول العربية بالسلاح النووي لم تحققه بدون هذا السلاح.. الغريب أن الذين قارنوا بين إيران وإسرائيل ومخاطرهما على العالم العربي, عمدوا إلى الإشادة بالقوة الإسرائيلية وتبرير أسلحتها النووية, وهو ما ينطوي على سياسات التوسع والإبادة الوحشية التي تمارسها ضدَّ أصحاب فلسطين لاقتلاعهم منها, بل إن هؤلاء ساقوا الخطرَ الإيرانيَّ كي يبرروا استمرارَ الوجودِ العسكري الأمريكي كضمان لأمن دول الخليج, فماذا لو تقاربت واشنطن وطهران؟ وماذا عن المخطط الأمريكي الذي لم يرحم من يدِّعي أنه يقدِّم لهم الحمايةَ وهو المتربصُ بهم والمتحالف مع دولهم؟ وأخيرًا فإنَّ هؤلاء يركزون في كتاباتهم على استهداف العروبة والإسلام معًا, تحت ستار ما يسمونه "الإسلاموية " و"القومجية" وكانوا أبواقَ الغزو الأمريكي لتحطيم الرموز القومية والإسلامية وتعميم أزمة الفريقين.

 

فإذا كانت بعض الرموز القومية قد أفسدت, وإذا كان بعض الرموز الإسلامية قد ضلت, فلا يزال الإسلام والعروبة هما الأساس للحكم، ولا يجوز القول بأن الممارسة حجةٌ على الأصل, فليس فساد النطق بالعربية دليلاً على فساد اللغة العربية، ولكنه محنةُ الناطقين بها, كما أن الممارسات الخاطئة لبعض المسلمين ليست حجةً على الإسلام, فهم أتباع الدين الخاتم الذين ضلوا وأضلوا، ولكن الإسلام نفسه بخير في حفظ إلى يوم الدين، وأخيرًا فإن حقد هؤلاء المتأمركين المتأسلمين المستعربين على الإسلام دفعهم إلى اعتبار حزب الله حوتًا التهمَ الدولةَ اللبنانيةَ, فانضموا في هجومهم إلى إسرائيل وأمريكا دون تقديم تحليل موضوعي لموقفهم, كما دفعهم نفس الدافع إلى إدانة حماس وكل ذنبها أنها تتحلى برومانسية وسط جو الفساد والتعفن السياسي العربي, كما أدانوا البعثَ لكي يبرروا غزو العراق، فكيف بهذا المنطق يمكن لهؤلاء أن يسوقوا مقولةَ: إن إيران أشد خطرًا على العالم العربي من إسرائيل، إلا أن يكون هدفهم القول: إن إيران أشد خطرًا على المشروع الأمريكي، وإنها لو تحالفت مع العرب لحررت المنطقة من الصهيونية والاحتلال وفي هذا الجو الملتبس الذي يتشابه فيه الذئب مع الحمل نضرع إلى الله ألا يزيغَ قلوبنا بعد هدايتنا، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا، وتجدر الإشارة إلى أنَّ المفاعل النووي السلمي لكل من إيران وإسرائيل من أسباب المخاطر البيئية؛ فإذا كانت إيران سوف تضر ببيئة الخليج خاصة وأن الضمانات النووية في الصيانة وغيرها ليست مؤكدةً, مما يبرِّر المخاوفَ التي تعبر عنها دول الخليج, رغم تسليمها بحق إيران في التمتع بالطاقة النووية السلمية, فإن مفاعلات إسرائيل تشكل خطرًا على مصر وفلسطين, خاصةً وأن لدى إسرائيل نفايات وصناعات نووية بالفعل.

 

لكل هذه الأسباب وغيرها تمسكت الدول العربية بتحرير المنطقة كلها من الطاقة النووية السلمية والعسكرية؛ حفاظًا على استقرارها وأمنها, ولكن تحيز الولايات المتحدة لإسرائيل كان أحد أسباب ظهور الطموحات النووية إلى العلن، ولا نشك في أن ظهور هذه الطموحات الإيرانية دليلٌ على فشل سياسة الانتشار النووي الأمريكية، ولذلك يجب أن تفكِّرَ الولايات المتحدة بطريقةٍ منطقيةٍ حتى تضمنَ الأمنَ للجميع دون تمييز, وألا تتلاعبَ بالورقة النووية الخطيرة التي سوف يترتب عليها انتشارُ كل أنواع الأسلحة في المنطقة، وأن تتجنبَ السياسةَ الانتهازيةَ التي تبرِّر بها وجودَها في المنطقة, حتى لا تفقدَ السيطرةَ بعد ذلك على أطراف هذه اللعبة.

 

وخلاصة القول: إن المنطقة لا تحتمل الطاقةَ النوويةَ من الجانبين أو من غيرهما لذلك يجب أن تضغط أوروبا حتى تلتزم إسرائيل بمواقف محددة في المسألة النووية وبذلك يمكن إلزام الجميع بهذه المواقف.