بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل

إذا كانت القوة الرئيسة في النظام الدولي قد أجمعت على محاصرة حماس، فهل المطلوب القضاء على سلطة حماس، أو المطلوب هو إحراق أوراق حماس في يديها بدعوى المرونة والواقعية؟!

 

وإذا كان مفهومًا أن الولايات المتحدة أصبحت مسخّرةً لخدمة المشروع الصهيوني، وهو ما يؤكده الجدل الدائر الآن في الولايات المتحدة حول هذه القضية، خاصةً بعد نشر الدراسة الخاصة بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية التي حذَّرت واشنطن من المضيِّ في تنفيذ الأهداف الأمنية الصهيونية على حساب المصالح الأمريكية.. فإن نفس القوى الصهيونية لا تزال تسعى إلى توجيه القوى الأمريكية لتحقيق الأهداف الصهيونية ضدَّ حماس وإيران وغيرهما.

 

كذلك ضيَّقت القوى الوطنية في الولايات المتحدة الخناقَ على الإدارة، بعد أن كشفت بالوثائق أن الرئيس بوش سرَّب معلوماتٍ حساسةً بشأن العراق؛ مما يؤكد اتهامَه بأنه قام بغزو العراق استجابةً لإلحاحٍ صهيوني، كما أنه يخطط لضرب إيران لتحقيق أهداف صهيونية.

 

تهدف هذه المقالة إلى مناقشة فرص الصمود أمام حماس في وجه كل هذه الضغوط الدولية والداخلية، في الوقت الذي تُضيِّق فيه (إسرائيل) الخناقَ على الشعب الفلسطيني، وتستمر في العدوان على المنظمات الفلسطينية في كل الأراضي الفلسطينية، فهل تتغيَّر معادلة القوة؟ وهل تصمد حماس حقًّا في وجه الضغوط دون أن تضطر إلى النزول قليلاً في اتجاه المطالب الصهيونية؟ وما نقطة الالتقاء بين حماس و(إسرائيل)؟

 

لا شكَّ أن صمودَ حماس يقوم على أساس شعورها بأنها تطالب بحقوق الشعب الفلسطيني في الداخل؛ حيث من حقه أن تُديرَ شئونَه حكومةٌ نظيفةٌ تسهر على رعايةِ مصالحه، وفي مواجهة الكيان الصهيوني الذي أنكر كل حقوقه، بدءًا بحقه في الحياة، وانتهاءً بحقوقه السياسية.

 

تشعر حماس أيضًا أنها تمثِّل أشواقَ الشعب الفلسطيني إلى الحياة الحرة من كل قيد، كما تدرك حماس أن ظروفَ الشعب الفلسطيني ليست ظروفًا طبيعيةً، وأن (إسرائيل) ليست محتلاًّ عاديًّا، وإنما هي محتلٌّ يدَّعي الحقَّ في الأرض ويسعى إلى إبادة الشعب، كما تدرك حماس البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بها، وكلها داعمةٌ للكيان.

 

كذلك تدرك حماس أن حركة فتح- التي قادت النضال الفلسطيني منذ البداية وحافظت على القضية الفلسطينية حيَّةً داخل فلسطين وعلى المسرح الدولي- قد أصابها الوهن والعجز، وأنها استكانت للواقع الذي طوَّرته (إسرائيل)، وصارت معصوبةَ العينين في مجرى المشروع الصهيوني دون أن يكون ذلك اتهامًا لها بالتواطؤ مع الكيان، ولكنَّ الذي لا تدركه حماس- وربما ليست مستعدةً لإدراكه- أن المطالَبة بكل شيء في وقت واحد يستعدي عليها الجميع.

 

ففي داخل فلسطين تخشى سلطة فتح السابقة من أن تنجح تجربة حماس، فيقاس عجز حركة فتح وفسادها على نزاهة حماس ونجاحها، كذلك تخشى حركة فتح من التحوُّل بالكفاح الفلسطيني في الإطار العلماني إلى الإطار الديني، خاصةً أن حماس تتخذ الإسلامَ مرجعيةً لها، وإن أظهرت درجةً عاليةً من المرونةِ والانفتاح على الأديان الأخرى، فأيَّدت ترشيحَ عددٍ من المسيحيين ضمن قوائمها الانتخابية، وتخشى فتح أيضًا من أن تفتح حماس ملفاتِ الفسادِ فيكون ذلك سابقةً خطيرةً وفضيحةً كبرى لبعض الرموز التي انخرطت في العمل الوطني، حتى لو كان لها رصيدٌ في التاريخ النضالي، وكان لها اسمٌ في سماء المسيرة الفلسطينية الطويلة.

 

أما دولة الكيان فتخشى أن تصبح حماس عقبةً في سبيل تحقيق مشروعها لالتهام بقية فلسطين، وربما خالطتها مشاعرُ متضاربةٌ عندما فازت حماس في الانتخابات، فحاولت في البداية أن تشيع أن (إسرائيل) هي التي أنشأت حماس، وهي التي سمحت لها بخوض الانتخابات، ولو كانت تعلم أنها سوف تنجح لمنعتها بكل الطرق من ذلك، ولكنَّ هذه الدعاية فشلت في تحقيق هدف الصهاينة، فلجأت (إسرائيل) إلى الضغط على أبو مازن حتى يقوم بدوره بالضغط على حماس، وهو ما حدث بالفعل، حيث قَبِل على مضض- بعد مساومات ومناورات- الحكومةَ التي شكَّلتْها حماس، وبعد أن رفضت فتح والمنظمات الأخرى المشاركةَ في حكومة الوحدةِ الوطنية حتى تتعرَّض حماس وحدها للضغوط، ثم تركت السلطة المنصرفة الخزانة العامة خاويةً، بل وتعاني من الديون؛ وذلك حتى تشعر حماس بما كانت تعانيه السلطة السابقة والعبء الذي تحملته تلك السلطة، فتضطَّر حماس إلى التخلي عن المهمة.

 

وساعد على ذلك وقف المساعدات كليًّا من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتقاعُس العالم العربي عن نجدة حماس؛ وذلك حتى تنفجر من الداخل بسبب الحاجة إلى المال، كذلك تنظر دولة الكيان إلى تجربة حماس بقلق شديد؛ لأنه حتى لو تمكَّنت حماس من التوصل إلى حلٍّ وسط مع الكيان فإن (إسرائيل) لا تريد النجاح لبرامج الإصلاح التي تنفذها حماس؛ لأن نجاح حماس في ذلك سوف يُظهر قدرةَ الشعب الفلسطيني على أن يكون نموذجيًّا، وهذا ما يُزعج الكيان الصهيوني ما دام الصراع بين الشعبين يقوم على أساس التفاضل بين أهلية كل منهما للبقاء؛ حيث أوهمت (إسرائيل) العالمَ منذ البداية بأنها جاءت بشعبٍ بلا أرضٍ إلى أرضٍ بلا شعبٍ، وهذا هو الشعب الفلسطيني يثبت أنه أجدرُ الشعوب العربية في الحضارة والبقاء، كذلك فإن نجاح الشعب الفلسطيني في تحقيق الديمقراطية ومقاومة الفساد سوف يكون لطمةً للولايات المتحدة.

 

أما النظم العربية فلا شكَّ أنها ترقُب تجربة حماس بقلق مكتوم؛ لأنها- أي حماس- تحقِّق ما تعاني منه هذه النظم وهو الاستبداد والفساد.

 

ولا نستبعد أن تكون (إسرائيل) قد صارحت الدول العربية بكل هذه المعاني، وأثارت مخاوفَها مثلما فعلت من قبل عندما أقنعت الدول العربية بأن حماس "منظمةٌ إرهابيةٌ"، ولا يزال الجدل الخفيُّ محتدمًا بين الكيان الصهيوني والدول العربية حول الطابع الإرهابي لحماس، فترى (إسرائيل)- ومعها الولايات المتحدة- أن حماس منظمةٌ إرهابيةٌ بطبيعتها؛ لأنها تطالب بكل فلسطين، بينما توافق (إسرائيل) والولايات المتحدة على مطالبة اليهود بكل فلسطين، ولا ترى الدولتان غضاضةً في ذلك، فضلاً عن أن هناك إجماعًا في الكيان على ذلك، ولكنَّ الخلاف يدور حول التوقيت والأساليب، وليس حول الهدف الأكبر، وهو ما يظهر من برامج الأحزاب الصهيونية الكبرى الثلاثة، وهي كاديما والليكود والعمل.

 

وأرجو ألا يُفهم هذا التحليل على أنه إغلاقٌ للأمل أمام صمود حماس، أو أن صمودَها هو نوعٌ من الانتحار؛ لأن المنظمة التي يضحي أعضاؤها بأرواحهم لا يعوزها الصمود السياسي والمعنوي، وهو لا يقل أهميةً عن الصمود في ميدان الشهادة.

 

فما هي الأوراق والعوامل التي يمكن لحماس أن تستفيد منها في هذا الموقف العصيب؟! يمكن أن نذكر عددًا من الأوراق والعوامل التي تساعد صمود حماس، وأول هذه الأوراق هي الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم التي ترى المؤامرة على شعب حلم يومًا بالحرية الداخلية والتحرر من الاستعمار الصهيوني، ولكن مجرد الحلم وقفت دونَه الأهوال، وهذا درسٌ مهم في البيئة الدولية المعاصرة، بل يرى المؤامرة من خلال اللجنة الرباعية المكلَّفة بالبحث عن حل للصراع، ويرى العالم كله يتصدى لحماس الطرف المقاوم، ولا يتصدى للمعتدي الصهيوني.. هذا المناخ الدولي يُحبط الشعوب الصغيرة، كما يُفقدها الحق في أن ترى الإنصاف، أما الدرس الثاني الذي خرجت به الشعوب، فهو أن الديمقراطية الغربية وشعاراتها في الحرية والاستقلال ليست سوى شعاراتٍ جوفاء وتُستغل لأطماع سياسية وللتلاعب بآمال هذه الشعوب.

 

أما الورقة الثانية فهي أن الشعوب العربية والإسلامية يمكن أن تسد حاجات الشعب الفلسطيني حتى لا يضطَّر إلى التعرض للضغوط والابتزاز.

 

الورقة الثالثة هي الحكومات العربية التي لا يجوز أن تظل على موقف الصامت إزاءَ قتل تجربة حماس؛ مما يؤدي إلى توترات داخل المجتمعات العربية، ويزيد الضغوط على هذه الحكومات، وأعتقد أن موقف الحكومات العربية كان أحد أسباب توحش المواقف الأجنبية ضد حماس، ولو كانت الدول العربية قد حافظت على حماس منذ البداية لكان صدامُها السياسي مع الكيان الصهيوني محقَّقًا، ولكانت العلاقات الثنائية بين كل دولة عربية وواشنطن قد تعرضت للانكشاف، فكيف تخرج الدول العربية من هذا المأزق حتى توفق بين الجانبين؟!

 

أما الساحة الصهيونية فلا يُتوقَّع لها تحسنٌ، بل نتوقَّع أن يفتح الكيان الصهيوني قضيةَ العرب فيها خلال الفترة القادمة، وأما الولايات المتحدة وأوروبا فإن الأمل كبيرٌ في أن تتعرض الإدارة الحالية في واشنطن للمشاكل؛ حتى تُعيد واشنطن النظرَ في سياساتها، خاصةً بعد أن تردَّد أن الإدارة بدأت تضيق ذرعًا بالضغوط الصهيونية والابتزاز، حسبما أشارت الدراسة السالف الإشارة إليها.. إن المستقبل يمكن أن يطور الكثير ما دام الصمود في مواجهة الظلم والبغي سيظل ساحةً للجهاد والاستشهاد.

 

وأخيرًا يجب أن تدرك (إسرائيل) أن محاربة حماس تُنهي أي أمل لدى الشعب الفلسطيني في الحياة؛ مما يؤدي إلى انقضاضه على الكيان الصهيوني، بعد أن فقد الحرص على ما تبقَّى من أمل في الحياة، ويجب أن تدرك (إسرائيل) أيضًا أن موقف فتح يرتبط بالتنافس الحزبي داخل فلسطين، وقد فات الوقت الذي تستطيع (إسرائيل) أن تدَّعي فيه أن سلطة فتح كانت تسكت على مخطط (إسرائيل) في ابتلاع (إسرائيل)، وتتآمر على مقدَّرات الشعب الفلسطيني.

 

كما يجب أن تدرك فتح أن (إسرائيل) هي المحتل والعدو، وأن حماس تحاول أن تحمل الراية الثقيلة، وأن طريق الجهاد لا يحتمل التنافس، ولكنَّ فشلَ حماس سوف يؤدي إلى انهيار المعبد على رءوس الجميع.