كتب- حبيب أبو محفوظ

"لنمُت جوعًا ولن نتخلى عن مبادئنا"، "لا للجوع ولا للركوع"، هذه هي الشعارات التي رفعها أبناء وبنات قطاع غزة، في مسيراتهم التي جابت القطاع؛ تنديدًا بقرار الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بقطع المعونات والمساعدات عنهم؛ لتنكشفَ معها الصورةُ الحقيقية لعالمٍ متهالك يتبع أو يستتبع الإملاءات والضغوطات "الصهيوأمريكية" بل وينفذها بحذافيرها ودون إبطاء، حتى لو كانت تستهدف ذوي القربى والمستضعفين من الناس.

 

لقد أصبح الشعب الفلسطيني اليوم "إرهابيًَّا" بانتخابه لحركة حماس!! التي هي بنظر الغرب حركةٌ "إرهابيةٌ" تجب محاربتها واستئصال جذورها؛ وذلك لأنها لا تعترف بالكيان الصهيوني المغتصب لأرضها!! فكان الحصار الاقتصادي والمعنوي الشامل على الشعب الفلسطيني، الذي هو أشبه بالحصار الذي فرضته قريش على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقلة من المؤمنين المستضعفين آنذاك.

 

ولكنَّ السؤال المطروح الآن: لماذا يكون انتخاب أريئيل شارون لولاية ثانية من قبِل الشعب الصهيوني- بعد أن أثخن بالشعب الفلسطيني قتلاً وتشريدًا- ديمقراطيةً يجب احترامها؟! وكذلك الحال بالنسبة للشعب الأمريكي الذي انتخب جورج دبليو بوش لولاية ثانية بعد احتلاله للعراق، وقتله آلاف الأطفال ديمقراطية أيضًا؟ في حين يكون انتخاب حركة حماس من قِبَل الشعب الفلسطيني- في انتخابات شهد على نزاهتها الغربُ كله- قرارًا غير مقبول ومرفوضًا، بل وتجب معاقبته بقطع المساعدات عنه ليموت جوعًا أو أن يعترف بقاتله ليكون- هذا الشعب- هو الجلاد، والجلاد الضحية، ولتنقلب معها موازين ونواميس الكون؟!

 

إن مسألة الاعتراف بالكيان الصهيوني ليست بيد حماس ولا حتى هي مخوَّلةٌ بذلك، ولا حتى يحق للشعب الفلسطيني ذلك، واختزال القضية الفلسطينية- بما فيها "القدس الشريف"- على القطرية الضيقة والمخططات الاستعمارية لبلادنا يُعتبر أمرًا مرفوضًا على الإطلاق؛ لكون فلسطين وقفًا إسلاميًّا لا يجب التفريط بذرةٍ واحدةٍ في ترابها، فضلاً عن مصافحة مغتصبها وقاتل أبنائها.

 

ربما يستطيع الغرب قطعَ المعونات والمساعدات عن الفلسطينيين، لكنه أبدًا لا يستطيع تكميم أفواه هذا الشعب، الذي قدَّم خِيرةَ رجالاته ونسائه على مذبح الحرية والفداء، ولا يزال الشعب الفلسطيني اليوم يقف كما الأمس كالشوكةِ في حلق بني صهيون.

 

وحماس هي التي وضعت العصا في عجلة المخططات الصهيونية المتسارعة بإنشاء دولة (إسرائيل الكبرى)، والتي تضم بالإضافة لفلسطين كامل الأردن، سوريا، ولبنان، وجزءًا من العراق والكويت والسعودية ومصر، تمامًا كما كانت المقاومة الإسلامية في العراق حجرَ عثرة للمخطط الأمريكي باستهداف سوريا.

 

لذا من الواجب- الذي يصل إلى حد الفرض- دعم حكومة حماس الجديدة؛ لأن دعمها يُعتبر دعمًا للحق الإسلامي والعربي، وتمكينًا لجذور هذا الحق في فلسطين؛ ولأن فشل حكومة حماس- لا قدَّر الله- سيفتح المجال للمصطادين بالماء العكر.

 

وأرَى ضرورةَ تعميم التجربة السودانية- رغم بساطتها- على جميع شعوب الدول العربية والإسلامية، وذلك من خلال تخصيص يوم كامل لجمع الأموال والمساعدات "الطارئة" للشعب الفلسطيني، بعد أن أحكم الكيان الصهيوني قبضتَه على جميع معابر ومنافذ القطاع ليدقَّ بذلك ناقوس الخطر بمجاعة حقيقية في القطاع بنفاذ الدقيق، فضلاً عن القصف الهمجي العشوائي المستمر على أبناء القطاع وكأنه- بصورة عامة- كمن ينفِّذ حكمَ الإعدام بشعبٍ أعزل.

 

مع الإشارة هنا إلى أن الشعب الفلسطيني ليس شعبًا متسوِّلاً، ينتظر فتات الخبز، ولكنه ينتظر وقفةً حازمةً وجادَّةً من الشعوب والدول العربية والإسلامية- معنويةً أكثر منها ماديةً- ضد المخططات التي تستهدف أول ما تستهدف هذه الشعوب المتثاقلة.

 

إن توحد الغرب الأوروبي والأمريكي في قراره بوقف المساعدات عن حكومة حماس يجب أن يقابله قرارٌ مماثلٌ من الشعوب العربية والإسلامية؛ حتى لا يُترك الفلسطينيون لقمةً سائغةً يسهل قضمها ليأتي الدور بعد ذلك على غيرها.

 

إن حركة حماس اليوم تواجه أقوى ثالث دولة في العالم من حيث القوة العسكرية، ووجودها في السلطة يثبت أقدامها لتتتابع من بعدها مسيرة المقاومة والتحرير، وتركُها وحدها في هذا الوقت يُعتبر جريمةً آمل ألا نكون- كشعوب عربية وإسلامية- عنصرًا فيها.