المصدر: جريدة (سان فرانسيسكو كرونيكل) الأمريكية
الكاتب: برايان ميرفي- محرر الشئون الدينية في وكالة أسوشييتدبرس
قبل يومين نشرت جريدة (سان فرانسيسكو كرونيكل) الأمريكية المتخصصة تحليلاً إخباريًّا مهمًا بعنوان "الأئمة الأوروبيون يركزون على قضية الهوية" نقل صورةً جيدةً عن أحوال المسلمين في أوروبا والواقع الذي يعيشونه في ظل الحرب على الإسلام، والتي بدأت في الدخول إلى ديار المسلمين؛ الأمر الذي يعطيه أهميةً كبيرةً في التعرف على طبيعة تفكير الأوروبي- والغربي عمومًا- في المسلم كجارٍ له في المسكن وزميل في العمل.
وقد نقل هذا التحليل الآراء التي وردت على لسان بعض الأئمة المسلمين الذين شاركوا في مؤتمر للأئمة المسلمين في أوروبا ينظمه المجلس الإسلامي في النمسا حول التحديات التي تواجه المسلمين في أوروبا وبخاصة تحدي هوية هذه الفئة من المسلمين، ومن خلال التقرير وأقوال المشاركين في المؤتمر يتضح أن هناك العديدَ من العوامل التي تقف أمام اندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية ومن بينها الميراث الفكري المضاد للمسلمين والإسلام في الذهنية الغربية والذي يؤدي إلى رفض إدماج الأوروبيين للمسلمين في مجتمعاتهم بدعوى تهديدهم للهوية الثقافية لهذه المجتمعات، بالإضافة إلى تبني بعض التيارات الإسلامية العنف في التعامل مع الغرب.
ويقدم بعض الدعاة المسلمين حلولاً لهذه المشاكل إلا أنها تتطلب تعاونًا من جانب المجتمعات الغربية لتنفيذها، ومن بينها تبني المسلمين الرؤى الأوروبية على المستوى الاجتماعي مقابل تضمين الأوروبيين لبعض أحكام الشريعة الإسلامية في منظومتهم القضائية للتعامل مع المسائل الأسرية للجاليات المسلمة، ويشير التقرير في النهاية إلى أن هناك بعض التقدم الملحوظ في أحوال المسلمين في أوروبا ومن هذه المؤشرات ظهور مقدمة برامج محجبة في الشاشات الدنماركية.
وعلى أهمية هذه القضية وإلحاحها وقيمة المعلومات والآراء التي يقدمها هذا التقرير الإخباري فإن موقع (إخوان أون لاين) ارتأى تقديم ترجمةٍ أمينةٍ وكاملةٍ لهذا التقرير، نقرؤه معًا على النحو التالي:
الأئمة الأوروبيون والهوية
تناولت أجندة الاجتماع، رفيع المستوى الذي عقده الأئمة الأوروبيون، العديد من القضايا السياسية والخاصة بإيجاد الوظائف ودور المرأة، إلا أن القضية الأهم كانت إيجاد هوية واضحة لمسلمي أوروبا.
فهذا الاجتماع ضم 150 إمامًا وبدأ الجمعة واستمر يومين سعى إلى إصدار بيان يجد طريقًا بين أوروبا العلمانية والإسلام المحافظ في العالم العربي.
ويوضح الإعلان الذي أصدره رئيس التجمع الإسلامي في البوسنة والهرسك- والذي تناقلته المساجد الأوروبية- أهمية التحركات المتوازنة للمسلمين في أوروبا والذين يزيد عددهم على 33 مليون مسلم.
وتدعو الوثيقة المسلمين الأوروبيين إلى القبول التام بالمعايير الغربية للانفتاح وقبول الآخر ورفض الجماعات التي تؤيد العنف، إلا أن الوثيقة تطالب الأوروبيين بضرورة التعامل مع حضور الإسلام في أوروبا بالصورة التي تساعد على وجود تعليم إسلامي أصيل وتتيح وضع بعض بنود الشريعة الإسلامية في المنظومة القضائية للتعامل مع شئون الأسرة.
لكن الوصول إلى طريقة تساعد الإسلام على النمو في المجتمعات الأوروبية بصورة سلمية يواجه بعض العراقيل من جانب بعض الجماعات اليمينية مثل الحزب القومي البريطاني وحزب حرية النمسا اللذين يقولان إن أسلوب الحياة الأوروبي بات مهددًا.
وقد زاد من حدة هذه الاعتراضات بعض الأحداث التي وقعت ومن بينها ذبح المخرج الهولندي ثيو فان جوخ في العام 2004م، على يد أحد "المتطرفين" المسلمين، إلى جانب الاتهامات التي وجهت إلى الداعية الإسلامي أبو حمزة المصري بالحض على الكراهية ودعوة الأتباع إلى قتل غير المسلمين خلال السنوات الست التي عمل فيها كإمام لمسجد فينزبري في لندن.
وقد أدت تفجيرات القطارات في مدريد ولندن إلى تشدد وجهات النظر- والاستطلاعات في السنوات الأخيرة- إزاء مسألة بحث انضمام تركيا ذات الغالبية المسلمة إلى الاتحاد الأوروبي في العقود القادمة.
وقد بدأت هذه المناقشة [تعايش مسلمي أوروبا مع مجتمعاتهم] في التحول إلى ضرورة ملحة بعد رد الفعل الإسلامي العنيف في قضية الرسوم المسيئة للرسول- عليه الصلاة والسلام- والتي نشرت أولاً في جريدة دنماركية، وهو ما بدا وكأنه وقوف ضد حرية التعبير الأمر الذي انتهى إلى شعور كل من العالمين الغربي والإسلامي أن كلاًّ منهما يعيش تحت حصار من الآخر.
أحد الدعاة الذين لم يتمكنوا من حضور اجتماع فيينا بسبب تضارب في المواعيد ويدعى ستريتش، قام بإيفاد مساعد له لعرض مشاركة هذا الداعية، وقد حث الداعية في مشاركته المسلمين الأوروبيين على اتباع رؤى حديثة وتغيير "الصورة السلبية عن الإسلام عالميًّا إلى صورة إيجابية"، لكنه وجه اللوم إلى الغرب أيضًا على دعمه التعصب ضد الإسلام في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (الإرهابية).
وقد ميز ستريتش بين أحوال المسلمين في الولايات المتحدة وأحوال المسلمين في أوروبا، وقال إن المجتمعات في أوروبا تتسم بالجمود الاقتصادي والاجتماعي مقارنةً بالمجتمع الأمريكي الأمر الذي يجعل المسلمين في أوروبا يدورون في حلقة مفرغة من محدودية الوظائف وضعف الفرص المتاحة.
وقد شهدت فرنسا- التي يعيش فيها أكبر جالية مسلمة في أوروبا والتي يبلغ تعدادها 5 ملايين مسلم بما يوازي 8% من عدد السكان- حالة من الغليان بسبب الاضطرابات التي ضربت الضواحي الفقيرة خلال العام الماضي والتي يعيش فيها المهاجرون من شمال وغرب أفريقيا والتي يعيشون فيها مع أبنائهم فرنسيي المولد.
أما في الولايات المتحدة فيعيش حوالي 8 ملايين مسلم على أقصى تقدير بنسبة 2% من إجمالي عدد السكان.
ويقول ستريتش: "أنا متفائل بالنسبة لأوضاع المسلمين في الولايات المتحدة، لكن أوروبا لا تزال تتمسك ببعض الأحكام التاريخية المسبقة، وسيتطلب ذلك مجهودًا كبيرًا من جميع الأطراف لتغييرها".
هناك علامات تقدم
تأسست مدارس في فرنسا وهولندا من أجل تدريب الأئمة وفق المعايير الأوروبية، وفي الأسبوع الماضي سمحت الدنمارك للمرة الأولى بظهور مقدمة برامج ترتدي الحجاب، ويوم الإثنين أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية القوية في اليونان أنها لن تمانع في افتتاح مسجد في العاصمة اليونانية أثينا هو الأول من نوعه منذ انتهاء الحكم العثماني قبل ما يزيد على الـ170 عامًا.
ويقول كبير مستشاري المجلس الإسلامي في النمسا، موضار خوجا: "التحدي الأكبر هو الاعتراف بهوية المسلمين كأوروبيين، نحن نهدف إلى الانخراط في المجتمعات، وإلى تعلم اللغات الوطنية والمشاركة في كل مستويات العمل في المجتمع"، ويعتبر المجلس الإسلامي في النمسا الجهة التي ترعى المسلمين في تلك البلاد، وهي الجهة التي نظمت المؤتمر، وحاليًا تتولى النمسا رئاسة الاتحاد الأوروبي.
ودعا الإمام رشيد عمر- الذي يرأس حاليًا برنامج حول الصراع والدين في جامعة نوتردام في بيند الجنوبية في إنديانا- كلاًّ من المسلمين والمسيحيين إلى أن يفهموا ويستوعبوا حقيقة أن بعض عاداتهم الدينية قد تحض على عدم التسامح والعنف، ويقول: "أنا قلق بخصوص المستقبل، لم ينصلح الحال إلا إذا اجتمعنا معًا واعترفنا أننا كلنا شركاء في هذا الجنون".