مساندة المطالب الديمقراطية للشعوب العربية والإسلامية كحق من حقوقها في الحياة الحرة الكريمة ولإكسابها القدرة على مواجهة التحديات، سواءٌ الداخلية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) أو الخارجية، ممثَّلةً في فرض الهيمنة على دول المنطقة عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا.. إلخ, أقول هذه المساندةُ هي من ضروراتِ الوقتِ والمرحلةِ والتي تتطلَّب منا بذلَ كل ما في وسعنا من جهدٍ وطاقة.
إن الشعوبَ تحتاج إلى مَن يفتح أمامها بابَ الأمل في غد مشرق, وإلى مَن يعمل على إعادة الثقةِ لديها وفي قدرتها على استردادِ حقوقِها وانتزاعِ حريتها والمشاركةِ في صنعِ الحياةِ وتقريرِ المصير, كما تحتاج الشعوب أيضًا إلى قيادة تثق فيها وتطمئن إليها وإلى صدقها وإخلاصها حتى تعطيَها ولاءَها ونصرتَها, وهذا الأمر يعتمد بالدرجةِ الأولى على مدى جسامة التضحيات التي تقدِّمها هذه القيادة, وعلى مدى ثباتها وصمودها في مواجهة الأنظمة الاستبدادية.
وأتصور أن العبء الأكبر يقع على مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات في قيادة الشعوب وبعث الروح فيها واستعادة الثقة لديها، ويشترط لذلك أن تكون هذه المؤسسات على وعي كامل بحقيقة الدور الملقَى على عاتقها من حيث إدراكُها لطبيعة وحجم التحدي الذي يواجهها.
فهناك أنظمةٌ قمعيةٌ ديكتاتوريةٌ حريصةٌ على إخمادِ هذه الروحِ، وإصابةِ الشعوبِ بالإحباطِ واليأسِ, ومواجهة أي حراكٍ من خلال حشود قانونيةٍ وإجراءاتٍ أمنيةٍ, كما أنه من الضروري أن نكون على وعيٍ بأنه لا يستطيع فصيلٌ سياسيٌّ مهما كان حجمه أو تأثيره أن يقومَ بالإصلاح والتغيير بمفرده.. الأمر الذي يحتاج إلى توحيدِ كافةِ الجهودِ وتضافر كل القوى، كما أنه ضروريٌّ أن تكون على وعيٍ كاملٍ بأنه لا بد من الاتفاقِ على قواسم مشتركة- وهي كثيرة- ونبذ الخلاف بناءً على قاعدة "نتعاون فيما اتفقنا عليه ونتحاور فيما اختلفنا فيه".
من الضروري كذلك أن تكون مؤسساتُ المجتمع المدني مدركةً أن الإصلاح السياسي هو المدخلُ الحقيقي لكافةِ أنواعِ الإصلاح الأخرى, وأن إقامةَ الديمقراطية الحقيقية هي الأساسُ الذي يمكن أن تجتمعَ عليه كل القوى السياسية والوطنية, وأن المقصودَ بذلك هو إتاحةُ الفرصةِ الكاملةِ للتعدديةِ السياسيةِ على كافةِ انتماءاتِها, والتداول السلمي للسلطة, واعتبار الأمة مصدرَ السلطات, وأن صناديقَ الانتخابات الحرة والنزيهة هي الحَكَم, وأنه يجب أن يكون هناك فصلٌُ حقيقيٌّ بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.
كما يجب أن يكون معلومًا للكافةِ أن الحريةَ لا توهب والديمقراطية لا تُمنح, الأمر الذي يترتب عليه ضرورة الحركة على كافة الأصعدة والمستويات السياسية والإعلامية والثقافية والقانونية, وأن النزولَ إلى الشارع ومحاولةَ التواصل مع الجماهير- من خلال الندوات والمؤتمرات والتظاهر السلمي والحضاري لاستعادة الحرية- من ضرورات المرحلة.
-----------------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.