منذ انتصار حماس في الانتخابات التشريعية، والشروط التي توضع عليها، تجعلنا نسأل عن معنى الانتخابات، من وجهة نظر النظام السياسي والنخب السياسية. ومن أهم الشروط التي تفرض على حكومة حركة حماس، الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثلٍ وحيدٍ للشعب الفلسطيني، كما يطلب منها الاعتراف بالأسس التي قامت عليها السلطة الفلسطينية، ومنها اتفاقات أوسلو.
والبعض يقول إن فوز تيار سياسي في الانتخابات لا يؤهله لتغيير الأوضاع السياسية القائمة، لأنه انتخب طبقًا لنظام قائم، والانتخابات لا تعطي شرعيةً لتغيير النظام القائم، بل من ينتخب يصبح مسئولاً عن العمل طبقًا للأوضاع السياسية القائمة، ولكن على الجانب الآخر، ألا يجوز تطوير النظام القائم، وما هي حدود هذا التطوير؟ البعض يرى أن التطوير في حدود لا تمس أسس النظام، أي الدستور والنظام الأساسي وغيرها من الأوراق التأسيسية.
والحقيقة أننا أمام موقف جديدٍ وغير مسبوق في تاريخ الممارسة الديمقراطية، وهو جديد على العالم العربي، في نوع الممارسة الديمقراطية التي مورست في فلسطين، وحجم الشفافية والنزاهة، وجديد في ما يخص وصول حركة للحكم، وتغيير الحاكم فعلاً، من خلال الانتخابات.
الجديد في هذه الممارسة الديمقراطية على مستوى حتى التجارب العالمية، أنها تأتي بحركة سياسية تختلف جذريًّا مع الأوضاع السياسية القائمة، بل تختلف مع أسس النظام السياسي نفسه، رغم أنها قبلت العمل من خلال الانتخابات في ظل هذا النظام السياسي الذي ترفضه.
والمعتاد، خاصة من الحركات الإسلامية، أنها ترفض الاشتراك في الانتخابات البرلمانية وغيرها من الانتخابات، وترفض الاشتراك في السلطة، ما دامت لا توافق على الأسس التي قام عليها النظام السياسي، وتعتبر الاشتراك في الانتخابات دليلاً على موافقتها على مجمل الأوضاع السياسية، أو موافقتها على أسس النظام السياسي القائم. وكانت الحركات الإسلامية، ومنها حركة حماس، هي التي تبادر بتجنب الدخول في الانتخابات. وهنا كانت القوى السياسية الأخرى، تنادي حركة حماس، وغيرها من الحركات بالاشتراك في الانتخابات، وتعتبر ذلك موقفًا إيجابيًّا. وبعد ما حدث منذ فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، نرى أن تلك الدعوة كان القصد منها جعل الحركة الإسلامية، جزءًا من الأوضاع القائمة، بدلاً من كونها بديلاً سياسيًّا عن النظام القائم.
والحركات الإسلامية من الجانب الآخر، خاصةً جماعات الإخوان المسلمين، بدأت تدخل الانتخابات بوصفها وسيلةً للتغيير والإصلاح. وهنا علينا التأكيد أن صورة الانتخابات كما تحدث في الغرب، يقصد منها تداول السلطة بين أكثر من حزب أو قوة سياسية، ولكن داخل إطار النظام السياسي القائم. أي أن الجديد هنا، هو اعتبار الانتخابات وسيلة للتغيير، فهل تصلح لذلك؟
الواقع يؤكد لنا أن الانتخابات وسيلةٌ لممارسة الحرية السياسية، والشائع كان تطبيق النظام الديمقراطي في بلاد استقرت سياسيًّا. ولكن في بلادنا ظهر شعار تطبيق الديمقراطية، في فترة عدم استقرار سياسي، بل في فترة تتميز بالفعل بوجود رغبة في التغيير.
من جانبٍ آخر، فإنَّ النظم السياسية القائمة لم تأتِ من خلال انتخابات حرة، بل فرضت من قبل النخب الثورية. وحتى في فلسطين، فقد قامت الانتخابات للمرة الأولى بعد اتفاق أوسلو، ولم يعرض هذا الاتفاق على الجماهير في استفتاء عام، والنظام الأساسي للسلطة الفلسطينية، وُضع بموافقة صهيونية وأمريكية، ولم يُوضع بموافقة شعبية من الفلسطينيين أنفسهم. ونفس الأمر يُقال على البلاد العربية الأخرى، فقد أُقيمت الأنظمة السياسية من خلال النخب الثورية، دون أن تكون تعبيرًا عن اختيار شعبي.
وعندما تقام الانتخابات في بلدٍ لم يؤسس فيه النظام السياسي على الإرادة الشعبية، يصبح من الممكن أن يكون اختيار الشعب لتيار يختلف عن الأوضاع السياسية القائمة، ويختلف مع أسس النظام السياسي القائم. ولكن إذا نظرنا إلى الانتخابات بوصفها وسيلةً لتغيير النخبة السياسية دون تغيير النظام السياسي القائم، عندئذ نجعل تغيير النظام السياسي غير ممكن إلا من خلال الثورات السياسية.
ومن جانب المصلحة العامة للأمة، فمن الأفضل أن يكون تغيير النظام السياسي من خلال الانتخابات، حيث يمثل هذا النمط، تغييرًا سلميًا لا يكون له آثار سلبية على مصالح الناس، حيث إن الثورات تؤدي إلى مراحل من الاضطراب أو الفوضى المؤقتة.
والأساس هنا، أن تعرض التيارات السياسية موقفها السياسي العام، أثناء الانتخابات، وهو ما حدث في الانتخابات الفلسطينية. فحركة حماس أعلنت برنامجها الانتخابي قبل بداية التصويت، وأثناء مرحلة الدعاية الانتخابية. وقد عرضت الحركة رؤيةً سياسيةً مختلفةً عن الأوضاع القائمة، بل إنها مارست نهجًا مقاومًا، يختلف عن معطيات اتفاقات أوسلو قبل الانتخابات ولسنوات طويلة. ورفضت عمليًّا وفعليًّا، ما يحدث في مفاوضات التسوية مع الكيان الصهيوني.
بهذا فقد أعلنت حركة حماس عن موقفها للناس، ومع ذلك فقد اختارتها الجماهير بأغلبيةٍ كبيرةٍ، وهذا الاختيار يعني أن الجماهير رأت وجود فرصة للتغيير السياسي من خلال الانتخابات. بما يعني أن تغيير النظام السياسي من خلال الانتخابات كان رغبةً جماهيريةً. ولهذا لا يمكن التحجج بأن الانتخابات ليست وسيلةً لتغيير النظام السياسي، لأن الجماهير جعلتها وسيلةً لذلك.
وهنا فقد اختارت الجماهير من يريد تغيير النظام السياسي وتغيير أسس مرجعية السلطة، ومرجعية أوسلو، بل ومرجعية منظمة التحرير الفلسطينية. وبهذا تم التغيير الثوري من خلال الانتخابات وبرغبة جماهيرية، وأصبح على حماس مسئولية تغيير الوضع القائم، اعترافًا بمسئوليتها تجاه الناخب الذي اختارها.