في العدد 296 من مجلة "النيوزويك العربية" الصادر بتاريخ 14/2/2006م، نشر السيد فريد زكريا مقالاً رئيسيًّا بعنوان (الإسلام والسلطة).. وعلى الغلاف صورة علم دنماركي يحترق وإلى جواره جملة (الإسلام والحرية هل كُتب عليهما الاصطدام)؟.

 

وقد قرأتُ المقالَ مرتين وتبيَّن لي أنَّ هناك قصورًا معيبًا في فهمِ الكاتب للإسلام ولواقع الحركة الإسلامية.. ولا أعلم على وجهِ الدقة هل المشكلة في نقصِ المعلومات.. أم في إصرارِ الكاتب على أن لا يرى في الواقع المشهود إلا ما يريد أن يراه هو انطلاقًا من قناعاتٍ يؤمن بها ويعتنقها؟

 

والحقيقة أنني أتصور أنهما معًا..! أي نقص المعلومات والاستغراق حتى العمى في الرؤى والقناعات الذاتية.. والمسألة لا تتعلق بالكاتب وحده فقط بل أتصور أن عددًا كبيرًا من العاملين في (صناعة الفكر الإستراتيجي) في الغربِ الذين يعملون إلى جانب السياسيين أو من السياسيين التنفيذيين أنفسهم يُعانون نفس المشكلة.. فمثلاً إصرار السيد زكريا على أنَّ الحركة الإسلامية (تُعيد ابتكار نفسها) وأن الإسلاميين (غير متصالحين مع الديمقراطية وبرنامجهم الانتخابي يشتمل على حرمانِ المرأة من حقوق اكتسبتها ويصنف الأقليات على أنهم مواطنين من الدرجة الثانية).

 

كل هذا الكلام غير صحيح بالمرة وينطبق عليه تمامًا المعياران السابقان (نقص المعلومات والاستغراق في الذات)؛ لأنَّ الأمرَ ببساطة شديدة على غير ذلك.. فنحن لم نعد ابتكار أنفسنا بل هذا هو ما نحن عليه بالفعل فكرًا وممارسةً.. هناك تطور ونضج ومزيد من التعرف على تفاصيل الواقع الذي تعيشه أوطاننا، نعم... والحجر فقط هو الذي لا يتطور.. والديمقراطية بالنسبة لنا هي أسلم وأصوب طريقة- حتى الآن- لتطبيق (الشورى) التي هي جزءٌ أساسي من الاعتقادِ الإسلامي الصحيح.. ووضع المرأة  في المجتمع يزداد قوة وتأثير على أيدي الإسلاميين في مواجهة تقاليد اجتماعية اكتسبت- خطأ- صفه دينية.. وغير المسلمين لهم في الأوطان الإسلامية كافة حقوق المواطنة السياسية والاجتماعية والقانونية.. كل ذلك منصوص عليه في أدبياتنا وبرامجنا ونُعلنه ونربي عليه شبابنا وأبناءنا سواء المنخرطين معنا في أنشطةِ المجتمع المدني المتعددة أوالأقل نشاطًا ومشاركة من خلال وجوه التعاون المتاحة.. وهي للأسفِ قليلة ومضيق عليها من قِبل السلطة.. ونسعى لتنشيطها وتوسيع دوائر المشاركة في فعاليتها؛ لأننا نؤمن- من خلال فهمنا للإسلام- أنه كلما كان المجتمع أقوى من الدولة كان ذلك في صالح الأمة كلها.

 

 
 
على أن أخطر ما في المسألةِ والذي يتجاوز كل مواقف القصور التي ذكرناها.. هو ما يقوله الرئيس الحالي للولايات المتحدة من أنَّ (الحرية ليست هدية أمريكا للعالم وإنما هبة الرب إلى الإنسانية وأنا جورج دبليو بوش مجرد رجل يقوم بتوصيلها) وهو نفس ما يقوله المتطرفون في العالمِ الإسلامي الذين يريدون تنفيذ فهمهم الذاتي للإسلام من خلال الترويع والإرهاب.. إلا أنهم أقل خطورةً في كل الأحوالِ من رئيس دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية (البنتاجون ينفق 31 مليار دولار تحت بند البحث العلمي ويملك مليونًا ونصف المليون جندي).. على أننا نحن- الإخوان المسلمين- نعتبر أن تيار المحافظين الجدد لا يُعبِّر عن الثقافةِ الحقيقية للمجتمع الأمريكي وننظر بكثيرٍ من الاحترامِ إلى أفكارٍ نتطلع إلى وجودها في دوائرِ القرار في أمريكا مثل الدكتور ريتشارد بولييت الأستاذ بجامعة كولومبيا والدكتور جون بينون الأستاذ بجامعة ستانفورد.. والدكتور ناعوم تشومسكي اليهودي النبيل أستاذ علم اللسانيات.. وكثيرون من المفكرين الإنسانيين الذين نجلهم ونحترمهم ونعتبرهم إضافةً مهمةً للفكرِ الإنساني الذي يبث في البشر قيم العدل والحرية.

 

وأتصور أنَّ أفكارَ برنارد لويس من أنَّ الإسلامَ هو المعادل العربي لفكر القرون الوسطي في أوروبا الذي كان لا بد من القضاء عليه بثورة إصلاحية.. أتصور أنَّ هذه الأفكار تؤكد لكثير من المثقفين في الغربِ مدى عنصريتها ومدى خطئها.. وأنَّ ما يطرحه السيد لويس هو محض كذب ليس إلا.. وهو يعتمد في ترويج هذا الكذب على إعلام عنصري يتفنن في بث ثقافة