هل وصلت جماعةُ الإخوان المسلمين لمرحلة التمكين، والتي تكلَّم عنها الإمام الشهيد حسن البنا، المؤسس والمرشد الأول؟ وهل يمثل فوز الإخوان المسلمين بنسبة 20% من مقاعد مجلس الشعب المصري، وفوز حركة حماس (إخوان فلسطين) بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، بداية مرحلة التمكين بعد ما قارب على ثمانية عقود من تأسيس الجماعة؟ ولماذا يخاف البعض من تعبير التمكين؟!

 

ولسنا بصدد البحث عن معنى التمكين في المراجع اللغوية، ولكن علينا فهم التمكين في منهج جماعة الإخوان المسلمين.. فقد قامت مدرستها على التربية والإصلاح، والعمل بين الناس من أجل نشر دعوتهم. ومنذ البداية ركزت الجماعة على بناء الفرد وبناء المجتمع، وتصورت أن بناء الحكومة يأتي في نهاية المراحل، ويصبح نتيجة لبناء الفرد والأسرة والمجتمع. وتلك الطريقة في العمل، تقوم أساسًا على نشرِ الفكرةِ بين الناسِ، بحيث يكون تطبيق الفكرة عمليًّا، وتحويلها إلى منهج حياة قائم على الاقتناع بها.

 

فعندما يؤمن الفرد برؤية الإخوان المسلمين، فسيقوم بتطبيق هذه الرؤية في حياته، وبالتالي إذا آمنت الأسرةُ بهذه الرؤية، فسوف يكون التأسيس على مبادئ تلك الرؤية، وفي النهاية إذا حدث انتشار للفكرة بين الناس، فأصبحت تمثل أساسًا لحياةِ الأفراد والأسر والجماعات، يصبح من الممكن، بل من المتاح، أن تتحول الفكرة إلى التطبيقِ في المجالاتِ العامة للحياة، وتصبح مؤسسة للنظام العام والنظام السياسي، وبهذا تصبح أساسًا لتأسيس الحكومات.

 

وهذا التدريج في التصورِ المنهجي للإخوان، ظل الأساس الأول لمنهجهم منذ تأسيس الجماعة وحتى اليوم.. ورغم تغير منهج الإخوان في بعض جوانبه عبر المراحل التاريخية، إلا أن العمل الدعوي والتربوي، ظل الأساس المستمر لمنهج عملهم، والذي تغيَّر عبر الوقت، كان الموقف من العمل السياسي، سواء بتأييد المنهج الانقلابي للتخلص من الاستعمار، ثم التراجع عن هذا المنهج، أو بالموقف من العمل السياسي وأهمية المشاركة فيه.

 

وبهذا تصبح مرحلة التمكين هي تلك المرحلة التي تنتشر فيها دعوة الإخوان إلى حدٍّ يُمكِّن الجماعة من تطبيق دعوتها في مختلف جوانب الحياة. فالتمكين يحدث للفكرة، بأن تتمكن من عقول وقلوب الناس، بحيث يصبح لها قواعد جماهيرية مؤثرة، تدعو إلى تطبيق هذه الأفكار في المجال السياسي والنظام العام والقانوني.

 

وعلينا أن نراجع الفكرة َالأساسية لجماعة الإخوان، فهي تتمحور حول أهمية تأسيس الحياة على المرجعية الدينية للأمة، وأن الدين يمثل الإطار العام الحاكم لمختلف جوانب الحياة. وبهذا فالرسالة التي قدَّمها الإخوان المسلمون، تُمثِّل فهمهم للإسلام كدين شامل، وعليه فتلك الرسالة تتطلب في نهايةِ المطاف، تطبيق المرجعية الدينية في الحياة عمومًا، الخاص منها والعام، في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

 

فإذا تحقق انتشار لفكرةِ الإخوان، وأصبح قطاع عريض أو مؤثر من الجماهير يطالب بتطبيق منهج الإسلام في الحياة العامة وفي السياسة والتشريع، عندئذ تبدأ مرحلة التمكين، كما تصورها الإمام الشهيد حسن البنا، ففي تلك المرحلة تكون الفكرة قد أصبحت واقعًا معيشًا داخل عقول الناس أو قطاع عريض منهم.

 

وهنا نتساءل عن دور العمل السياسي، فهل تحقق التمكين من خلال العمل السياسي، حيث جاءت نتائج الإخوان المسلمين في مصر وحركة حماس في فلسطين، لتؤكد جماهيرية حركة الإخوان المسلمين في العديد من الدول العربية؟ والواضح أن العمل الدعوي والعمل الاجتماعي والتربوي، كانا الوسائل الأساسية لنشر دعوةِ الإخوان، ولم يكن العمل السياسي هو المسئول عن نشر فكرتهم، بل كان المجال الذي ظهر فيه حصاد الفكرة. وكأنَّ نتائج الانتخابات لم تكن في الواقع نتاج العمل السياسي للجماعة، قدر ما كانت نتاجًا للعمل الدعوي والاجتماعي والتربوي.

 

وتلك في الواقع من الحقائق الهامة والتي يجب أن تعيها كل التيارات السياسية، ففي الحضارة العربية الإسلامية، لا يوجد هذا الفصل التعسفي بين الاجتماعي والديني والسياسي، بل إنَّ مواقف الناس تتأسس في المجال الديني والاجتماعي، ثم تنعكس على المجال السياسي.

 

وعندما تفوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، وتفوز جماعة الإخوان المسلمين بنسبة 20% من مقاعد مجلس الشعب المصري، وكان يمكنها تحقيق نتائج أفضل إذا رشَّحت عددًا أكبر من المرشحين، وإذا لم تتدخل الدولة ضد مرشحيها، عندئذ نفهم لماذا تعتبر هذه اللحظة بداية مرحلة التمكين، كما قال المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف في رسالته الأسبوعية للإخوان. فنتائج الانتخابات تدل على أنَّ رسالة الإخوان المسلمين وصلت لعددٍ مؤثرٍ من الجمهور، وأنها أصبحت تُمثِّل تيارًا مؤثرًا وفاعلاً بين الناس.

 

وعليه نتصور أنَّ المرحلةَ القادمةَ سوف تشهد نهجًا لجماعة الإخوان المسلمين، يقوم على تعزيز الترابط بين النشاط الدعوي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بدرجةٍ أكبر من المراحل السابقة. وقد يتوقع البعض أن الجماعة بصددِ التركيز على العمل السياسي، بسبب ما حققت من نتائج، ولكنها في الواقع بصدد التركيز على العمل التربوي، الذي مثَّل الأساسَ الذي قام عليه النجاح السياسي. ولكن في المرحلةِ القادمة نتوقع وجود تنسيق وترابط أكبر بين مختلف الأنشطة التي تقوم بها جماعة الإخوان، فلن يكون النشاط التربوي منفصلاً عن النشاط السياسي كما حدث في مراحل سابقة، فقد كانت تلك الأنشطة تبدو وسائل متعددة وطرق متوازية، حتى جاء التأييد الجماهيري، أي التمكين الجماهيري، ليؤكد أن كل الأنشطة كانت تصبُّ في مجرى واحدٍ فأصبح التكامل بينها ضرورةً.