أزعُم أن المحرك الأساسي للموقف الدولي- خاصةً الأمريكي والأوروبي ضد حماس- هو (إسرائيل)؛ ولذلك فمن المفيد أن نفهم كيف تفكِّر (إسرائيل)، وماذا تخطط إزاء حماس.

 

والثابت أن (إسرائيل) تحثُّ واشنطن على عدم التسامح مع حماس، وهي تدرك أن واشنطن وأوروبا ليس لهما قضية ضد حماس، وتدرك أيضًا أن ظهور حماس سوف يسمح بفهمٍ جديدٍ للقضية الفلسطينية، خاصةً في ضوءِ الاستنكار المكبوت في كل العالم للمسلك (الإسرائيلي) المتطرف، الذي لا يدَعُ مجالاً للشك في أن (إسرائيل) ليست مستعدةً لتقديم أي شيء مما تُسيطر عليه من الأراضي، كما أنها ليست مستعدةً للتخفيف عن الفلسطينيين أو التوقف عن مطاردتهم، فجَعَلَ ذلكَ الموتَ أفضلَ من الحياة بالنسبة للشعب الفلسطيني.

 

وتستطيع حماس بسهولة أن تقدم عرضًا جديدًا، وتصنع مشهدًا مؤثرًا لمأساة هذا الشعب، خاصةً إذا توافقت فتح والقوى الأخرى مع حماس، وألا تضع في وجهها العراقيل؛ مما يساعد (إسرائيل) على تحديد خيارات سلبية في النهاية.

 

والحق أن كلَّ البدائل والخيارات (الإسرائيلية) تقوم على تحقيق هدفٍ واحدٍ، وهو التخلص من حماس، كقوةٍ سياسيةٍ تمكِّنها من الوقوف على منصَّة عالية بعد أن كانت تطارَد في ساحات القتال، وتعمل في سرية تحت الأرض.

 

أما الخيار الأول فهو ما عبَّر عنه Michael Herzog في مقالٍ له في عدد شهر مارس وأبريل من مجلة Foreign Affairs بعنوان: "هل يمكن" استئناس حماس؟! ويرى أن بعض المتفائلين- لاحِظ الفرقَ بين المتفائل العربي والمتفائل الصهيوني- طبعًا من الصهاينة يعتقدون أن مشاركة حماس في قلب السياسة الفلسطينية سوف يدفع هذه المنظمة إلى اعتدال أهدافها الراديكالية وتكتيكاتها الإرهابية، ويرى أن التاريخَ يُظهر أن المشاركةَ السياسيةَ تروِّض المناضلين، ولكنَّ ذلك يتحقق في ظل شروط معينة ومحددة، ولا يكاد يتوفر أيٌّ منها في حالة حماس؛ ولذلك فهو مقتنع بأن تركَ حماس وعدمَ المساس بها سوف يسمح لها بأن تتحول من منبوذٍ إلى لاعبٍ في الساحة السياسية from a pariah to a player.

 

هذا البديل (الإسرائيلي) يَلقَى دعمًا في العالم العربي؛ حيث انبرى عددٌ من الكتَّاب إلى تأكيد المقولة (الإسرائيلية) بأن حماس عليها أن تختار بين الكفاح المسلَّح والعمل السياسي الرسمي، ولا يمكن الجمع بين الاثنين، ورأى هذا الفريقُ من الكتَّاب أن العملَ السياسيَّ يخلو من مثاليات القتال المسلَّح؛ ولذلك لا يمكن الجمعُ بينهما لهذا السبب، بل رأى فريق آخر أن عدم الجمع بين المثال والواقع رأيٌّ مُستحدثٌ أو مبتكرٌ, وإنما هي ثنائية المثال والواقع التي عرفتها الأجيال عبر القرون، ورأى فريق ثالث أن حماس كان لا يجوز لها أن تشترك في الانتخابات أصلاً؛ حتى تتفادى هذه الازدواجية، وهو ما عبر عنه الشيخ الظواهري في تنظيم القاعدة؛ لأن هذه الازدواجية لا تستطيع حماس التوفيق بين عناصرها.

 

من ناحية أخرى رأى فريقٌ رابع أن حماس سوف تُضطَّر إما إلى الانسحاب من الحياة السياسية والتركيز على الكفاح المسلَّح، وإما إلى الانصراف الكامل للحياة السياسية وترك الكفاح المسلَّح.. أما الجمع بينهما فهذا ما لا يمكن تصوره.

 

أما احتمالات الانصراف إلى العمل المسلَّح أو العمل السياسي فهذا يتوقف على عِظَم المخاطر التي تحيط بالحركة والعراقيل التي توضع في طريقها، والمحقَّق أن الكفاح المسلَّح يُسلم إلى العمل السياسي، وفي كل حركات التحرر الوطني كان المفاوض يعمل على ضوء الكفاح المسلَّح، ولكنَّ (إسرائيل) لا تريد أن ترى حماس أصلاً لا في السلطة ولا في الميدان، وكانت (إسرائيل) تأمل في أن تلبس حماس "طربوش السلطة" فلا يكون هناك أيُّ أثر لنجاح حماس حتى يسهل إسقاطها.

 

البديل الثاني هو الوقيعة بين حماس وفتح؛ إيذانًا بحربٍ أهليةٍ بين الفلسطينيين؛ مما يسهل على (إسرائيل) التدخل لحماية السكان من "عبث" الساسة, فتكسب وقتًا ونفسًا حتى تجهز على الاثنين معًا.

 

البديل الثالث هو محاصرة حماس فلسطينيًّا وعربيًّا، والتركيز على شروط (إسرائيل)، وتصدير الضغوط إلى الدول العربية بمساعدة الولايات المتحدة، وتعتقد (إسرائيل) أن التضييق السياسي والمالي والنفسي على حماس يمكن أن يدفعها إلى اليأس فتنسحب من الساحة السياسية حتى يمكن حصارُها ميدانيًّا وتحريض السلطة على التصدي لها.

 

ولا شكَّ أن الساحةَ الفلسطينيةَ الداخلية هي الحاضن الأكبر لحماس أو المُهدد الأول لها؛ ولذلك يندهش المراقبون من هذا الخلط الذي أحدثته حركة فتح والمسئولون فيها بين اعتبارات التنافس الحزبي وبين متطلبات الوحدة الوطنية؛ ما دام الجميع يهدف إلى خدمة الشعب الفلسطيني، وانتزاع الحقوق الفلسطينية السليبة من (إسرائيل).

 

أما دواعي الوحدة الفلسطينية فلا أظن أنها تحتاج إلى تفصيل، فالكل في عين الخطر، و(إسرائيل) لا تميز بين الثور الأبيض والأسود إلا في توقيت الالتهام، وحتى الذين يتعايشون معها ويلوذون بالصمت والعبارات الدبلوماسية الناعمة إزاءَ اعتداءاتها على المقاومة والشعب الفلسطيني لن يتمتعوا بذلك طويلاً، ما دامت (إسرائيل) تريد الأرض التي يقفون عليها، وتعتزم التخلص من الشعب حتى تخلص الأرض لها، وقد عرفت إسرائيل ثمنهم وامتحنت وطنيتَهم، فلا كرامةَ لهم عندها، ما داموا قد سكَتوا على كرامة وطنهم!!

 

وفي هذه المساحة الحرجة تختلط الاتهامات، ولكنَّ الأمرَ المتحققَ هو أن عامل الوقت بالغُ الحرج، فإما أن تختنق حماس وتفشل القضية الفلسطينية في فرصةٍ نادرةٍ في تاريخها المعاصر، وإما أن تنجح وينجح معها الجميع في رفع قدرات المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني، ونظن أننا بحاجةٍ إلى دراسةٍ أوسع حول ما هو مطلوبٌ لتحقيقِ هذه النتيجةِ، إلى جانب الإرادة المتوفرة لدى حماس، والثقة في نصر الله، وفي مساندة الشعب الفلسطيني.

 

البديل الرابع وهو البديل الأسهل (إسرائيليًّا) والأسوأ فلسطينيًّا، وهو تحالف بعض قوى الداخل مع المخطط الإسرائيلي لتصفية قيادة حماس في الداخل والخارج، وعزل مستقبل الشعب الفلسطيني عن أي مؤشرات أو منارات لهذا المستقبل.

 

وتستطيع (إسرائيل) أن تقوم بذلك؛ لأن تكاليفه السياسية الداخلية في (إسرائيل) لا تُذكر، كما أن تكاليفه السياسية الخارجية غير مؤثرة، ونظن أن (إسرائيل) تراهن على هذا البديل، فكيف يمكن تحصين الساحة الفلسطينية ضد العاصفة (الإسرائيلية)؟! هذا ما يحتاج إلى معالجة أخرى.