ترجمة- حسين التلاوي
نشرت جريدة الـ(واشنطن بوست) الأمريكية مجددًا في افتتاحيتها حول الحالة الديمقراطية في مصر خاصةً والشرق الأوسط عامةً، وفي افتتاحية العدد الصادر يوم الأحد الخامس من مارس 2006م ذكرت الجريدة الأمريكية واسعة الانتشار أنَّ خططَ الإدارةِ الأمريكية لنشرِ الديمقراطية في الشرق الأوسط قد فشلت، وأن هذا الفشل أدَّى إلى 3 دروس وهي أنه من الصعب فرض الديمقراطية، إلى جانب أنَّ فرض الديمقراطية لا يتم دون وجود مجتمعٍ مدني فاعل، وأن الحالة السياسية الراهنة في الدول الشرق أوسطية تشير إلى ضرورةِ تفضيل ديكتاتوريات من أمثال حكم الرئيس برويز مشرف في باكستان والرئيس مبارك في مصر على الفوضى المتوقعة في حالِ انهيار أو سقوط هذه الأنظمة.
وأشارت الجريدة إلى ضرورة دعم المعارضة العلمانية في مصر، موضحةً أنها هي الرهان الوحيد من أجل إقرار نظامٍ ديمقراطي متفقٍ مع الفكرِ الأمريكي، إلا أنَّ الجريدةَ مسَّت نقطةً مهمةً في المسارِ السياسي المصري وهي أن الوضع السياسي في مصر لن يستقيمَ في غياب الطبقة الوسطى المصرية باعتبارها الطبقة الوحيدة القادرة على التغيير في البلاد والقيام بكل أعباء الانتقال الديمقراطي من المشاركة في الانتخاباتِ وتأسيس مجتمعٍ مدني قادر على فرض كلمته على مؤسسة الرئاسة المصرية.
لكنَّ الجريدة حذَّرت من أن هذه المعايير تختلف من دولةٍ إلى أخرى، وبالتالي يجب مراعاة ظروف كل دولة عند البدء في التجربة الديمقراطية.
وعلى أهمية هذا الموضوع وتعميمًا للفائدةِ نُقدِّم للقارئ العربي الافتتاحية كاملةً على أهميةِ ما ورد فيها من آراء:
حالة الديمقراطية في مصر، كيف هي؟!!
الهجوم على الديمقراطية يتزايد وذلك بسبب المذابح في العراق ونجاح حركة حماس في الأراضي الفلسطينية، في الأسبوع الماضي أبدى كتاب المقالات في الجريدة من اليمين إلى اليسار تشككهم- أو معارضتهم- لخطط إدارة بوش لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، ومن مقالاتهم ونقاشات غيرهم تبرز 3 مبادئ رئيسية: (أولاً) لا يمكنك فرض الديمقراطية بالقوة، و(ثانيًا) يجب ألا تدفع نحو الانتخابات أو تتوقع أن تنمو الديمقراطية قبل أن يوجد "مجتمع مدني" ناضج، و(ثالثًا) نحن مع الأنظمة الديكتاتورية مثل نظام مبارك ومشرف وغيرهم في حالةٍ أفضل من البدائل وهي الفوضى، و(الإرهاب) والتطرف الديني.
هناك مناقشات جادة، ومن واجب الجميع- وبخاصة نحن الذين أيدنا الحرب على العراق- أن نأخذها مأخذ الجد، من السهل علينا أن نلوم إدارة (الرئيس الأمريكي جورج) بوش (الابن) على كل ما هو سلبي، فقد تسببت على كل حال في توقع إمكانية أن يشكل البعثيون أرضية للمقاومة يمكن أن ينطلقوا منها، كما فشلت في التحضير لعملية إعادةِ إعمار العراق في مرحلةِ ما بعد الحرب، كما فشلت في حشدِ القوات الكافية، كل هذا صحيح، إلا أنه حتى أبرع مخططي الحروب قد يُخطئ، وهو افتراض ينبغي أن يكون أساسيًّا في أيةِ مناقشة حول الحرب، إلى جانب أنه حتى ولو كان الرئيس بوش قد أحسن التصرف بصورةٍ أفضل من الحالية، فإنَّ العراق من الممكن أن تظل بعيدة عن السلام أيضًا.
هناك الكثير من الدروس التي يُمكن أن نصل إليها من ذلك، إلا أنَّ "الديمقراطيةَ لا يمكن أن يتم فرضها بالقوة" ليس واحدًا منها، لسببٍ واحدٍ هو أنَّ الديمقراطيات قد تتولد من الحروب (اليابان وألمانيا)، بصورةٍ أخرى، فالولايات المتحدة لم تذهب أبدًا إلى الحربِ لفرض الديمقراطية وهو الأمر غير الوارد في المستقبل، فنحن لم نُحارب اليابان بسبب ضيقنا من نظام الحكم فيها، ولقد رغبنا في نشرِ الديمقراطية في كوريا وفيتنام إلا أننا دخلنا الحرب عندما شعرنا بأنَّ الشيوعيةَ تُمثل تهديدًا، ولقد أقرَّ الكونجرس- ودعمت هذه الصفحة في الجريدة- الحرب على العراق لأننا شعرنا بأنَّ صدام حسين يُمثِّل تهديدًا للأمنِ القومي الأمريكي، وذلك من خلال أسلحةِ الدمار الشامل التي اعتقد أنه يمتلكها والتي سعى أيضًا إلى امتلاكها، واستهزائه بالمعاييرِ الدولية، ونموذجه الشمولي وطموحه في السيطرةِ على الشرق الأوسط.
الفكرة الثانية- وهو أنه من الغباء أن تضغطَ لتحقيقِ الديمقراطية في مجتمعاتٍ غير مؤهلة- تبدو أيضًا أقل فائدةً في المناقشة، بالطبع الانتخابات لا تصنع الديمقراطية، فقد أجرى الاتحاد السوفيتي العديد من الانتخابات، كما أنَّ العديدَ من الدول التي تطورت ديمقراطيًّا في العقدين الأخيرين قد انطلقت من بعضِ المميزات التي قد لا تتوافر لدى بعض الدول الأخرى، فبعض دول شرق أوروبا انطلقت من الميراث الديمقراطي الذي نشأ عن الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
إلا أن بعض الدول الأخرى تتطورت دون هذه المنطلقات، فيستطيع المرء أن يعترف بأن التخلص من الأفكار الشمولية قد يستغرق عقودًا، مع الوضع في الاعتبار عوامل الثقافة والتاريخ والعرق، إلا أنه من الصعب أن ننظر في العالم من حولنا إلى ديمقراطيات مثل كوريا الجنوبية والهند وجنوب أفريقيا والسلفادور وإندونيسيا ثم نصل إلى قواعد تساعدنا على التنبؤ بالمنطقة التي يُمكن أن تنجح فيها الديمقراطية أو لا تنجح.
إنَّ مناقشةَ فكرة عدم الاستعداد (للديمقراطية) تبرز في الحالاتِ التي تفرز فيها الديمقراطية حكومات لا يرحب بها الغرب كما حدث في السلطة الفلسطينية، إلا أنَّ المغالطة في هذا الرأي تأتي من أنه يفترض أنه دون إجراء انتخابات فإنه من الممكن قمع حركة حماس أو غيرها من الحركات الإسلامية الأصولية واستثناؤها من العملية السياسية.
إلا أنه من الصعبِ استثناء الحركات الإسلامية (المتطرفة) أو تلك المعادية للمصالح الغربية، فهذه الحركات قوى فاعلة في الشرق الأوسط، كما أنها- وحتى فترة ما قبل الانتخابات- استخدمت (العنف) من أجل تحقيق أهدافها، لكن المشاركة الديمقراطية أدَّت إلى تخفيض حماس وحزب الله اللبناني وبعض الفصائل العراقية السنية والشيعية إلى مستوى (العنف) الذي تمارسه على الأقل بصورةٍ مرحلية، وبمرور الوقت فإنه من المتوقع أن تُسهم المشاركة السياسية في إكسابِ هذه الحركات الاعتدال المطلوب أكثر من سياساتِ الإقصاء والقهر.
هناك مشكلة أكثر أهميةً في مسألةِ الاستعداد للديمقراطية، وهي أنها تشير إلى مسألةِ الاختيارات التي لا يفضلها الكثير من صانعي السياسات، فمن الممكن أن نُفضل "الديكتاتور المعتدل" والذي يرعى "حكم القانون" إلى أن يصبح شعبه "مستعدًا" للديمقراطية، وبعدها يفسح الطريق أمام شعبه الناضج، لذا فإن المجتمع المدني يعتبر بادرة أولى على الطريق للديمقراطية يعمل الكثير من الديكتاتوريين على سحقها.
الرئيس المصري مبارك ضيق المساحة الممنوحة للإخوان المسلمين وقمع المعارضة العلمانية لأنه يريد أن يبدو هو الخيار الوحيد المقبول، فيما لا يريد مجتمعًا مدنيًّا، وفي كثير من الأنظمةِ الاستبدادية في العالم- مثل آسيا الوسطى وروسيا وبورما- تبدو الصورة مشابهة.
لذلك فإنه من العدلِ أن تتخذ موقفًا معاديًا من الديمقراطية ولكن فقط في حالة ما كنت صادقًا بشأن البديل، وفي معظم أجزاء العالم الإسلامي فإن البديل ليس مجتمعًا مدنيًّا واعدًا، فالظروف التي تلت أحداث 11 سبتمبر تنذر بوجود تهديدات، اقتصادات مغلقة وراكدة تترك ملايين الشباب فريسة للبطالة، وأجهزة أمنية سرية تخترق المجتمع وتخنق العملية التعليمية وحرية الفكر، كما أنَّ الحكام الفاسدين يقومون برعاية (العنف) من أجل حماية أنفسهم في الداخل وخلق المشكلات في الخارج.
الذين يدعمون الديمقراطية عليهم ألا يتوقعوا نجاحًا سريعًا وألا يتوقعوا نجاحًا في كل الحالات، ومن المهم الضغط على الحلفاء الاستبداديين مثل مبارك لإيجاد مساحة إضافية أمام الأحزاب السياسية، لذا فإنه عندما يتم إجراء الانتخابات فإنَّ المصريين سيشاركون فيها بصورة مسئولة، بالتأكيد الانتخابات ليست كافية، فهناك بالطبع المجتمع المدني والرفاهية وظهور الطبقة الوسطى، إلا أنَّ الأولويات وطرق التنفيذ تختلف من بلد لآخر.
لكن بدون انتخابات، أو منظور الانتخابات، وبدون وجود معايير تتيح مساءلة المواطن للنظام، ما الذي سيدفع أي ديكتاتور لترك المجتمع المدني ينمو؟ أيضًا، على "الواقعيين" أن يجيبوا عن هذا السؤال.
--------------
* العبارات التي تحفَّظ عليها المترجم قام بوضعها بين الأقواس ().