ترجمة: حسين التلاوي
جاء قرار الرئيس المصري حسني مبارك بتأجيل الانتخابات المحلية المصرية وتمرير مجلس الشورى لهذا القرار ليثير عاصفةً سياسيةً وإعلاميةً في مصر وخارجها مع الدلالات التي يحفل بها القرار والتي من بينها تراجُع النظام المصري عن تعهداته الإصلاحية، وهو ما كان له مردوده السيئ عند منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني المصرية بصفة عامة وكذلك لدى الإدارة الأمريكية.
وفي جريدة (نيويورك تايمز) الأمريكية نجد أن صدى هذا القرار لا يعكس فقط مسألة تراجع النظام السياسي المصري عن إصلاحاته فحسب؛ بل إن هذا القرار يؤشِّر إلى ملامحِ الحقبةِ السياسيةِ المقبلة في مصر.
كما تشير الجريدة- في تقرير لها نشرته أمس الثلاثاء 14 فبراير وكتبه كل من مايكل سلاكمان ومنى النجار وعبير علام- إلى أن القرار يعتبر محاولةً للحدِّ من تصاعد المكاسب السياسية التي حققها الإخوان المسلمون في الانتخابات التشريعية الأخيرة في البلاد ومنعهم من تقديم أو دعم مرشح في الانتخابات الرئاسية التي ستُجرَى في العام 2011م بما قد يمثِّل تهديدًا للأمين العام المساعد للسياسات في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم جمال مبارك، والذي رجَّحت الجريدة أنه سوف يخوض هذه الانتخابات.
ونقلت الجريدة عن بعض المسئولين الحكوميين في مصر تأكيدَهم على أن القرار لا يستهدف الإخوان المسلمين، لكنها عادت وأشارت إلى أن مراقبين يقولون إن التأجيل بغرض منح الحزب الوطني الديمقراطي فرصةً لالتقاط الأنفاس بعد الانتقادات المختلفة التي وُجِّهت إليه وخسارته في الانتخابات التشريعية الأخيرة لعددٍ كبير من المقاعد، وعلى أهمية هذا التقرير وتعميمًا للفائدة رأينا في (إخوان أون لاين) تقديم ترجمة أمينة كاملة له:
تأجيل الانتخابات المحلية المصرية لمدة عامين
قام الرئيس المصري حسني مبارك بتأجيل الانتخابات المحلية المصرية لمدة عامين بدلاً من موعدها الذي كان مقررًا في شهر أبريل المقبل، وهو ما اعتبره محللون ومراقبون تراجعًا عن تعهدٍ قدمه خلال حملته في الانتخابات الرئاسية بتدعيم الممارسات الديمقراطية، وقد كان من المقرر إجراء الانتخابات في الآلاف من المجالس المحلية.
وقد اعْتُبِرَ هذا القرار خطوةً على طريق الحفاظ على احتكار الحزب الوطني الديمقراطي بعد أن بدأت قبضته في التراخي على السلطة، وقد تلقَّت الإدارة الأمريكية هذه الخطوةَ ببعض القلق، كما اعتُبر أيضًا محاولةً من جانب الحكومة لمنع جماعة الإخوان المسلمين من دعم مرشح مستقل في الانتخابات الرئاسية التي سوف تُجرَى في العام 2011م، وبخاصة بعد المكاسب غير المسبوقة التي حقَّقتها الجماعةُ في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ويقول حلفاء السيد مبارك وأعضاء حزبه في مجلس الشورى إن هذا التأجيل يعتبر في واقع الأمر خطوةً نحو تدعيم الديمقراطية في مصر؛ لأنه سيمنح بعض الوقت من أجل إعداد قانون جديد يؤدِّي إلى المزيد من اللامركزية.
ويقول محمد كمال- العضو البارز في أمانة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وعضو مجلس الشورى-: "في الدستور الحالي لا تتمتع الإدارات المحلية بأية صلاحيات، وتعتمد تمامًا على الحكومة المركزية"، ويتابع: "التصور هو أن يتمَّ التحركُ بالمجالس المحلية لتصيرَ حكوماتٍ محليةً أكثر منها إدارات محلية، نحن نريد أن ندعم اللامركزية".
أما ناصر أمين- مدير المركز العربي لاستقلال القضاء فيقول-: "الحكومة غير مستعدة حاليًا للانتخابات؛ لأنها تخشى أن تنال خسارةً وخسارةً فادحةً مثل التي نالتها في الانتخابات التشريعية".
قرار الرئيس الذي تمَّت الموافقة عليه يوم الأحد الماضي في مجلس الشورى- والذي من المتوقَّع أن ينالَ الموافقةَ في مجلس الشعب- يضع الولايات المتحدة أمام خيارين صعبين: وهما إما انتقاد مبارك وتقوية فرص (الإسلاميين)، أو الصمت وتعزيز الاتهامات التي تواجهها بأنها تدعم الديمقراطية فقط لتحقيق أهدافها.
وبينما أكد الرئيس بوش أن الديمقراطيةَ هي حجر الزاوية في أجندته الخاصة بالشرق الأوسط أبدت مصر بعض التردد في الأخذ بالانفتاح السياسي، إلا أن الولايات المتحدة رأت في الانتخابات الأخيرة عاملاً مساعدًا على صعود الإسلاميين بما في ذلك الفوز الأخير لحركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، ووفق المحللين السياسيين المصريين فإنه بالإضافة إلى ذلك يتعيَّن على الولايات المتحدة أن تخفضَ من حدة لهجتها في الشرق الأوسط بعد الأزمة الأخيرة حول الرسوم المسيئة للرسول الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- والتي عزَّزت من صعود الأحزاب الإسلامية في الإقليم.
في واشنطن قال المسئولون إنهم يشعرون بالانزعاج من خطوة الرئيس مبارك، مطالبين الحكومة المصرية بالعمل على تلبية مطالب الشعب بالتوجه نحو الديمقراطية، وقال نائب وزيرة الخارجية الأمريكية آدم إيرلي: "نحن قلقون بسبب هذه التقارير، كما أننا على اتصال بالحكومة المصرية للوقوف على الحقائق"، إلا أن كثيرًا من المصريين سارعوا بانتقاد الخطوة، معتبرين إياها تراجعًا عن الوعود التي أطلقها الرئيس مبارك في حملته الرئاسية لدعم الديمقراطية، كما رأوا فيها محاولةً لوقف تقدم الإخوان المسلمين.
فيقول سلامة أحمد سلامة- المحلل والكاتب الصحفي في جريدة (الأهرام) المصرية الرائدة-: "الصورة الكبيرة الواضحة هي أن العديد من الوعود التي قدَّمها الرئيس مبارك خلال حملته في الانتخابات الرئاسية وبرنامجه للإصلاح السياسي لم تتحقق"، ويضيف: "لقد تم تعطيلها، ولا توجد آليةٌ لتنفيذها".
الإخوان المسلمون- الذين يستندون إلى دعم فقراء المواطنين بسبب الخدمات الشعبية التي يقدمونها- انتقدوا التأجيل، قائلين إنه محاولةٌ للتأكد من عدم مواجهة جمال مبارك (نجل الرئيس) أية منافسة في الانتخابات الرئاسية التي سوف تُجرَى في العام 2011م، وقال محمد حبيب- النائب الأول للمرشد العام للجماعة-: "إنها خطوةٌ نحو توريث الرئاسة".
ولقد أوضحت الانتخابات التشريعية التي جرت العام الماضي أن أحزاب المعارضة العلمانية ضعيفةٌ للغاية، وأن الحزب الحاكم يخسر مؤيديه تاركًا الساحةَ أمام جماعة الإخوان المسلمين المعارِضة والمنظمة بصورةٍ جيدة لتكسب الناخبين.
لا يمكن للإخوان المسلمين أن يقدِّموا مرشحًا للانتخابات الرئاسية باسم حزب، على الرغم من أنهم يتمتعون بـ88 مقعدًا في البرلمان الذي يبلغ عدد مقاعده 454 مقعدًا، وهو ما يُعتبر كافيًا بالنسبة لهم وفق القانون لترشيح مرشح مستقل.
إلا أنهم- ووفق القانون الجديد أيضًا- يمكنهم أن يدعموا مرشحًا مستقلاً وهي المعادلة التي كانت ستكتمل في حالة سيطرة الإخوان على المجالس المحلية بنفس النسبة التي دخلوا بها البرلمان، وتتولى المجالس المحلية بعض المهام مثل بناء المدارس والمرافق.
ويقول محمد كمال- العضو البارز في أمانة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم-: "إن التأجيل لن يعرقل طموح الإخوان السياسي، لكنَّ البعض أشار إلى أن التأجيل سوف يمنح الحزب الوطني وقتًا لالتقاط الأنفاس".
المتحدث باسم الرئاسة سليمان عواد قال: "هذا جزءٌ من خطط لامركزية للحكومة"، وأضاف: "وهو جزءٌ من الإصلاح الذي وعد به الرئيس مبارك"، إلا أنه حتى داخل الحزب الوطني فإن البعض نظر بشكٍّ إلى تأجيل الانتخابات المحلية لمدة عامين، فيقول أسامة الغزالي حرب- عضو الحزب والمحلل السياسي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الذي تموِّله الحكومة-: "بالتأكيد هذا بسبب الإخوان المسلمين، لقد برهنت الانتخابات الماضية على أن الحزب الوطني أضعفُ مما توقَّع الناس، وكل الأحزاب السياسية الأخرى ضعيفة، وبالتالي فإن البديل الوحيد القادر على ملء فراغ الحزب الوطني هو الإخوان المسلمون".
ومن غير المعتاد أن تشهد الانتخابات المحلية منافساتٍ ساخنةً، إلا أن التغيير الدستوري العام الماضي- والذي فتح الباب أمام دخول أكثر من مرشح في الانتخابات الرئاسية- أعطى أعضاء المجالس المحلية حقَّ دعم طلب مرشح مستقل لدخول الانتخابات الرئاسية؛ لذا فإنه حتى لو لم يستطع الإخوان أن يقدِّموا مرشحًا في الانتخابات الرئاسية فإنهم يستطيعون أن يدعموا مرشحًا إذا سيطروا على المجالس المحلية.
يقول جورج إسحاق- أحد مؤسسي حركة كفاية العلمانية المعارضة والمتحدث باسمها-: "هذه الخطوة محاولةٌ لحماية الحزب الضعيف من الأحزاب السياسية الأخرى"، ويتابع: "إنهم يخشون الإخوان ويخشون القوى السياسية الفاعلة الأخرى.. إنهم من الضعف بحيث يضعون كل القوى السياسية الأخرى تحت الحصار".