ترجمة: حسين محمود التلاوي

أدَّى الانتصار السياسي الكبير الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت يوم الأربعاء الماضي 25 يناير إلى العديد من ردود الأفعال الأوروبية والأمريكية الرافضة للتعامل مع الحركة قبل أن تلقي سلاح المقاومة وتعترف بالكيان الصهيوني.

 

وقد تزايدت حِدَّة هذه المواقف إلى الدرجة التي أعلنت فيها الولايات المتحدة أنها لن تقدم المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية في حال تشكيل حركة حماس الحكومة الجديدة، وهو الموقف الذي دعمته ألمانيا على لسان مستشارتها الجديدة أنجيل ميركل، بالإضافة إلى بدء الكيان الصهيوني خطواتٍ فعليةً في هذا الطريق بعد تجميده مستحقاتٍ مالية فلسطينية كانت لدى الكيان الصهيوني.

 

وتكشف هذه الإجراءات العديد من المساوئ المتعلقة بالحملة الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها ممارسة الولايات المتحدة عملية الإقصاء السياسي ضد القوى السياسية التي تخالفها في الأجندة السياسية؛ حيث انبرت كل القوى الغربية- بزعامة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني- في حملة نارية ضد فوز حماس في الانتخابات.

 

إلا أن هذه الاعتراضات تصطدم بالعديد من الحقائق على أرض الواقع، ومن بينها صعوبة تنفيذ الولايات المتحدة تهديداتها بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية؛ لما سيؤدي إليه ذلك من إضرار بالاستقرار في الأراضي الفلسطينية، ما سينعكس سلبًا على الكيان الصهيوني، وهذا ما جعل الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر يطلب من الإدارة الأمريكية الحالية البحث عن صيغة تستمر بها في منح المساعدات للسلطة الفلسطينية في حالة تشكيل حماس للحكومة، بينما لا تتعارض مع الرفض الأمريكي للتعامل مع حماس، وهي الصيغة التي بكل تأكيد سوف تقدم فيها الإدارة الأمريكية تنازلاتٍ لكون حماس غيرَ مستعدة للتنازل عن مكاسبها السياسية التي حصلت عليها من خلال تفويض شعبي فلسطيني جاء عبر صناديق الاقتراع.

 

الصحافة العالمية تابعت هذه النقاط، وفي الأسطر التالية أبرز التناولات العالمية لهذا الموضوع؛ للتعرف على رؤى المحلِّلين والإعلام في الغرب للأخطاء السياسية التي يقع فيها قادة الغرب.

 

جريدة (فاينانشال تايمز) البريطانية تناولت في تقريرٍ لها بعددها الصادر يوم 30 يناير موضوعًا متعلقًا بردود أفعال المجتمع الدولي تجاه فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت يوم الأربعاء الماضي 25 يناير، واهتم التقرير بالتهديدات الأمريكية الخاصة بقطع المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية في حال ما قامت حماس بتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، إلا أن الجريدة قلَّلت من إمكانية تطبيق هذا التهديد بالنظر إلى أن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية لا تحتمل التهديد الاقتصادي لإمكانية انهيار الاقتصاد الفلسطيني، وهو ما قد يقود إلى حدوث فوضى شاملة في الأراضي الفلسطينية.

 

وتناول التقرير الأوضاع الاقتصادية الفلسطينية العامة، مشيرًا إلى أن الميزانية الفلسطينية تُعاني عجزًا بقيمة 700 مليون دولار، ويؤكد أن السبب في ذلك هو رواتب أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية والتي تسبَّبت فيها محاولات السلطة الفلسطينية استرضاء أعضاء حركة فتح ضمن ممارسات الفساد التي تورطت فيها السلطة الفلسطينية.

 

أولمرت يرى دعمًا لمقاطعة حماس

 

 رئيس الوزراء الصهيوني بالإنابة إيهود أولمرت

قال رئيس الوزراء الصهيوني بالإنابة إيهود أولمرت أمس الأحد إنه تلقَّى دعمًا دوليًّا واسعًا لاقتراحه الخاص بمقاطعة الفلسطينيين، حال تشكيل حكومة فلسطينية تضم حركة المقاومة الإسلامية حماس التي فازت في الانتخابات الأخيرة.

 

وقد أعلن أولمرت ذلك خلال اجتماع للحكومة جاء قبل يوم واحد من اجتماع اللجنة الرباعية الدولية يُعقد غدًا في لندن لبحث دلالات نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في الأراضي الفلسطينية والتي منحت نتائجها النهائية لحماس 74 مقعدًا مقابل 45 لحركة فتح من إجمالي عدد المقاعد البرلمانية البالغ 132 مقعدًا.

 

وقال دبلوماسيون إن اللجنة الرباعية الدولية- التي تضم في عضويتها كلاًّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا- سوف تجد نفسها أمام حقيقة واقعة هي ضرورة إيجاد معادلة تساعد في استمرار تقديم المساعدات للشعب الفلسطيني، مع تجنُّب إجراء أية اتصالات بحركة حماس، وأضاف الدبلوماسيون أن البديل عن ذلك هو انهيار الاقتصاد الفلسطيني.. الأمر الذي سيؤدي إلى أسوأ فوضى يمكن تخيُّلها في الأراضي الفلسطينية، ويرفض الكيان الصهيوني التعامل مع حركة حماس طالما لا تزال متمسكةً بخيار المقاومة إلى جانب رفضها الاعتراف بحق الكيان الصهيوني في الوجود وإصرارها على تدميره.

 

وقال أولمرت لحكومته: "لقد وجدت الدعم الكامل لموقفنا ومبادئنا التي سبق وأن عبَّرنا عنها"، مشيرًا إلى اتصالاته مع قيادات كل من مصر والأردن وفرنسا وبريطانيا والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، كما أنه من المقرر أن يلتقي أولمرت مع المستشارة الألمانية أنجيل ميركل التي تُعد أول حاكم أجنبي يزور الإقليم بعد فوز حماس.

 

ويقول المحللون إن كلمات أولمرت جاءت بمثابة دعوة للدول المانحة للفلسطينيين- بما فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي- بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية التي تواجه في العام الحالي عجزًا في الميزانية يصل إلى 700 مليون دولار، أي ما يعادل 567.7 مليون يورو و394.8 مليون جنيه إسترليني، وقد بلغت المساعدات المقدَّمة للسلطة الفلسطينية 6 مليارات من الدولارات خلال الـ11 الماضية، من بينها مليار دولار خلال الانتفاضة الفلسطينية.

 

وعلى الرغم من النبرة المتشددة لأولمرت إلا أن بيانًا حكوميًّا اعترف بأن "حماس اهتمت بإبداء نوعٍ من المسئولية الوطنية منذ إعلان نتائج الانتخابات؛ حيث دعت فتح إلى التعاون وتشكيل تحالف حكومي"، كما لاحظ البيان أن رئيس السلطة الفلسطينية- التي تسيطر عليها فتح- محمود عباس ظل عنصرًا أساسيًّا في السلطة؛ حيث قال البيان: "وستساعد القرارات التي اتخذها في خصوص حركة حماس وقوى الأمن الفلسطيني والدستور في التأثير على طبيعة العلاقات الفلسطينية الداخلية".

 

وكانت السلطة الفلسطينية تواجه بالفعل أزمةً طاحنةً قبل فوز حركة حماس؛ حيث أنفقت أغلب المنحة السنوية التي تحصل عليها والتي تُقدَّر بمليار دولار على رواتب موظفي القطاع العام، الذين عيَّنتهم الحكومة السابقة استرضاءً للأجهزة الأمنية، ويقول مسئول صهيوني رفيع المستوى: "إذا كان الغرض من ذلك هو منع التمويل عن حماس، وإيجاد حالة من الفوضى فإن ذلك من مصلحة الكيان الصهيوني"، لكنه أضاف: "إلا أن الأمرَ كلَّه قد يرتدُّ علينا حيث لا زلنا نتولى مسئوليةَ السيطرة على الفلسطينيين في الضفة الغربية".

 

وتقوم المنح الأجنبية بدفع رواتب حوالي 135 ألف موظف في الضفة الغربية وقطاع غزة، نصفهم تقريبًا من أفراد الأجهزة الأمنية، وتتضمن النسبة الباقية 34 ألف مدرس، وحوالي 9 آلاف عنصر من الأطقم الطبية، وتساعد رواتبهم في إعالة 700 ألف فلسطيني أي حوالي 20% من إجمالي عدد السكان، إلا أن هناك مساحةً من الوقت لا تزال باقيةً قبل تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، والتي قد يستغرق تشكيلُها عدة أسابيع، وخلال هذه الفترة سوف تقوم السلطات الصهيونية بتحويل مبالغ تتراوح قيمتُها ما بين 40 مليون إلى 50 مليون دولار أمريكي هي إجمالي الضرائب التي يقوم الكيان الصهيوني بجمعها بالنيابة عن السلطة الفلسطينية.

 

 

القيادي البارز بحماس محمود الزهار

وفي المقابل انتقد زعماء حركة حماس اعتماد السلطة على المساعدات الأجنبية؛ إذ قال محمود الزهار- القيادي البارز في الحركة- قبل الانتخابات: "يجب أن نعتمد على الدخل القادم من الشعب"، وأضاف: "الاعتماد على الصناعات المحلية الصغيرة أفضل من الاعتماد على المشاريع الكبرى للدول المانحة"، ويقول بعض المسئولين في السلطة الفلسطينية إن حماس قد تُعيِّن مجموعةً من التكنوقراط أو الأفراد من خارج الحركة في الوزارات والمواقع الحساسة التي ستتعامل مع العالم الخارجي.

 

نشرت جريدة (نيويورك تايمز) الأمريكية في عددها الصادر يوم 29 يناير متابعةً عن الخطط الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ومدى تأثيرها على الانتصار السياسي الساحق الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والذي تزامن مع تحقيق الإخوان المسلمين انتصاراتٍ سياسيةً في الانتخابات التشريعية المصرية التي جرت خلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين.. الأمر الذي يشير إلى أن حملة الديمقراطية الأمريكية قد أسفرت عن صعود الإسلام السياسي إلى الحكم.

 

وتناول التقرير آراء بعض المحللين السياسيين الذين شدَّدوا على ضرورة عدم تدخل الولايات المتحدة في العملية الديمقراطية حتى ولو أدت إلى صعود قوى تراها الولايات المتحدة غير ملائمة لسياساتها في المنطقة، إلا أن الجميع أكد على أن الأمريكيين سوف يردون بصورة تعرقل المسيرة الديمقراطية وتؤدي إلى وضع معايير انتقائية للديمقراطية في المنطقة العربية.

 

قليل من الديمقراطية أو عفريت خارج القمقم

الشعور الذي ساد بين الساسة والنخبة المثقَّفة في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي هو أن التجربة الكيميائية الصغيرة التي كانت الولايات المتحدة تحضِّرها قد انفجرت في وجهها!! لقد عمل الرئيس بوش الابن على دعم الديمقراطية والانتخابات النزيهة كحل رئيسٍ لعلاج مشاكل الإقليم، وعندما حقَّقت حماس انتصارَها الساحق في الانتخابات الفلسطينية وجدَ الرئيس بوش الابن أن النتائج هي أسوأ نتائج يمكن تخيُّلها في الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة وحليفها الرئيسي (إسرائيل).

 

إذن الانتخابات الحرة والنزيهة هي مثل العامل المساعد في التجارب الكيميائية، يجب أن يتم استخدامها بـ"القطَّارة" لا بإفراط، وقد أدت الانتخابات والنزيهة في الشرق الأوسط إلى صعود حركاتٍ لا يمكن بأي حال من الأحوال القول بأنها مؤيدةٌ للولايات المتحدة؛ حيث حقَّق الإخوان المسلمون مكاسبَ كبرى في الانتخابات التشريعية التي جرت في مصر، فيما فازت قائمةُ الشيعة المتحالفين مع إيران بالأغلبية في العراق، وحقَّق حزب الله اللبناني- المدرج على القوائم الغربية للمنظمات (الإرهابية) مثله مثل حركة حماس- أداءً جيدًا في الانتخابات التشريعية اللبنانية التي جرت العام الماضي.

 

إحدى وجهات النظر تقول إن الولايات المتحدة وقعت ضحيةَ قانون النتائج غير المتوقّعة للأفعال، وهو ما سبَّب حالةً كبيرةً من السخرية في الشرق الأوسط، ويعلِّق عبد المنعم سعيد علي- مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية بالقاهرة-: "هذا الأمر يشبه أن تريد شيئًا بشدة ثم تحصل عليه، وها هم الأمريكيون قد حصلوا على ما أرادوا".

 

لكنَّ السؤال الأكثر أهميةً هو ما إذا كانت النتائج بعيدة المدى للتجربة الديمقراطية في الشرق الأوسط تستحق الانتظار وتحمل المشكلات الراهنة التي نتجت عنها، وما إذا كان من الممكن أن يتم تحسين المنتج النهائي من هذه العملية، إلى جانب ذلك فهناك تساؤل حول إمكانية أن يتم تهذيب العملية الديمقراطية رغم أية زلازل قد تسببها في البداية؟ بعد الانتخابات الفلسطينية مباشرةً امتدح الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن "قوة الديمقراطية"، لكنه بدا وكأنه غيرُ راضٍ عن النتيجة؛ حيث قال إن الولايات المتحدة لن تدعم أي حزب سياسي يدعو إلى تدمير (إسرائيل) وهو ما تدعو إليه حماس.

 

ويقول الدبلوماسي الأمريكي السابق روبرت باستور- والذي يعمل أيضًا مديرًا لمركز الديمقراطية وإدارة الانتخابات في الجامعة الأمريكية بواشنطن-: "على المدى القصير يعتقد بعض الناس أن دفع الديمقراطية يتعارض مع المصالح الأمريكية"، ويتابع السيد باستور قائلاً إن إسكات الحركات الديمقراطية بمجرد أن تبدأ عملها هو إستراتيجية غير فعَّالة وغير معمول بها من الأساس، ويتابع ذلك الدبلوماسي- الذي تفاوض مع حماس في العام 1996م كي توقف عمليات المقاومة أثناء الانتخابات- قائلاً بصعوبة تدخل الولايات المتحدة لعرقلة أية عملية ديمقراطية، كما أوضح أن التجربة السياسية في أمريكا اللاتينية أثبتت أن إقصاء الحركات المسلَّحة من العملية الانتخابية لا يساهم في دفعها إلى ترك السلاح.

 

وقد وقع ذلك تحديدًا في الجزائر في العام 1992م، عندما ألغيت نتائج الانتخابات التشريعية بعد أن فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي جماعةٌ تهدف إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، فتحوَّلت البلاد إلى الحرب الأهلية التي سقط فيها عشرات الآلاف من الضحايا، ويقول السيد روبرت باستور: "إذا ما كان قد تم استبعاد حماس من الانتخابات الأخيرة، كانت سوف تستمر في العمل المسلَّح لغياب البديل، ووقتها ستكون على حق".

 

إذا كان رد الفعل الناجم عن العملية الانتخابية صعب الإيقاف فإن البديل المناسب يكون "تفصيل" طريقة لدعم الديمقراطية تستوعب المخاطر التي يمكن أن تنجم عن عملية الانتقال الديمقراطي، وتضع مارينا أوتاواي- الباحثة المشارِكة في معهد كارنيجي الخيري للسلام الدولي- 3 أقسام للبلاد الشرق أوسطية، وذلك وفق التهديدات التي يمكن أن تواجهها المصالح الغربية في هذه الدول جراء دعم العملية الديمقراطية:

 

المجموعة الأولى وتتضمن مصر والمغرب وتونس، وتضم الدول التي تحكمها أنظمةٌ ديكتاتوريةٌ وغيرُ فاعلة، ومن الممكن أن تحقق الجماعات الإسلامية بها فوزًا كاسحًا في أية انتخابات عامة نزيهة وعادلة.

 

المجموعة الثانية وتضم دولاً مثل لبنان والعراق، والتي تتكون من أعراق وطوائف دينية تحكمها سلطةٌ واحدةٌ بيد من حديد، وتعاني هذه الدول من مخاطر التقسيم، وللقوى الطائفية فيها أحزابُها السياسيةُ وميليشاتُها الخاصة بها.

 

وتتابع السيدة أوتاواي قائلةً: إن الانتخابات الحرة في المجموعة الثالثة من الدول- والتي تضم الملكيات المؤيدة للبحرين ومن بينها الأردن والكويت والبحرين- سوف تحول النظام السياسي المعتمد فيها على العلاقات الاجتماعية والقبلية إلى حكم إسلامي؛ حيث تسود فكرة أن الحكم الإسلامي يساعد في تحقيق العدالة الاجتماعية؛ لذا فإن سيطرة الإسلام السياسي في المنطقة هي ما يجب أن تواجهه الولايات المتحدة في تحركاتها تجاه نشر الديمقراطية في الإقليم، وتضيف: "لا أعتقد أن الولايات المتحدة مؤهلةٌ حاليًا للتعامل مع قضية الأحزاب السياسية الإسلامية".

 

لكنها تتابع قائلةً بعدم ضخامة حجم مشكلة تلك الأحزاب كما يروِّج لها الأمريكيون؛ حيث تعتمد هذه الأحزاب على التنظيم الجيِّد وعدم التورط في ممارسات الفساد وتقديم الخدمات الاجتماعية، مثل رعاية الأطفال وخدمات الجنائز، ولعل السبب الرئيس في خسارة حركة فتح في الانتخابات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية هو تورطها في ممارسات فساد؛ مما ساعد على صعود حماس وليس مواقف حماس تجاه (إسرائيل).

 

ويقول المحلل السياسي البارز خليل الشقاقي: "لعل الدرس الأبرز من انتصار حماس هو إذا أردت أن تدخل الأحزاب الإسلامية في العملية الديمقراطية فينبغي عليك أولاً أن تصلح من الأنظمة القائمة".

 

فيما يقول السفير العراقي لدى الأمم المتحدة فيصل أمين الإسترابادي إنه على الرغم من فوز الحركات الإسلامية المتشدِّدة في الانتخابات فإن الضغوط التي سوف تمارس على البلاد من القوى الخارجية قد تساعد في جعلها تبني اتجاهًا أكثر اعتدالاً، ويضيف: "لقد اعتادوا على انتقاد الحكومات من دون أن يحكموا، والآن احكموا، ارصفوا الطرق، تأكدوا من أن القمامة تُرفع من الشوارع من وقت لآخر".

 

 

بعض نواب الإخوان في البرلمان

وبينما يقول عبد المنعم سعيد إن نواب الإخوان في مصر يعملون بصورة سلمية هادئة في البرلمان المصري الذي يسيطرون فيه على 20% من عدد المقاعد.. يرى أماتزيا بارام الصهيوني- الذي يعمل في مركز وودرو ويلسون الدولي في واشنطن وأستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا- أن حماس سوف تتبنَّى خط المواجهة.

 

ويؤكد أن هذا الخط سيؤدي في أسوأ الأحوال إلى حرب إقليمية، ولكنه يرى أيضًا أنه في حال عدم تقديم حماس المشروعات التنموية للشعب الفلسطيني مثلما فعلت فتح فإن الشعب الفلسطيني "سيركلها بالحذاء" هي أيضًا.

 

وبالنسبة للبلدان ذات التقسيم العرقي والديني- مثل العراق ولبنان- فيرى بارام ضرورة وجود أنماط للديمقراطية تلائم طبيعة كل دولة، ففي لبنان على سبيل المثال هناك مقاعد برلمانية للموارنة وأخرى للشيعة تم تقسيمها وفق المناطق.. الأمر الذي قد يقود إلى وقوع حرب أهلية في حالة التغيير الفجائي.

 

لذا يفضل بارام فكرة العمل بنظام البدء بدولة ثم الانتقال إلى أخرى، ففي العراق حازَ الشيعة الأغلبية، بينما تم التأكيد على ضرورة أن يتم تمثيل كل الفئات السياسية الأخرى في الحكومة.. الأمر الذي سوف يساعد على المدى البعيد في إيجاد نظام سياسي أكثر استقرارًا حتى من ذلك الموجود في لبنان، ويتابع قائلاً: "لكن البعض يرى أن الوضع الحالي في العراق قد يقود إلى حرب أهلية مثلما وقع في لبنان منذ 20 عامًا؛ حيث ينقسم الأكراد والسنة والشيعة إلى فرق كل في منطقتها؛ ما يؤدي لدخول البلاد حربًا أهليةً ويدعم الصراعات في الإقليم كله".

 

العديد من المعتقلين السياسيين في الشرق الأوسط- ومن بينهم رامي خوري الكاتب الصحفي والمحرر المخضرم في جريدة (ديلي ستار) في بيروت- يرون أن خطاب الرئيس بوش يشير إلى أنه ليس جادًّا في مسألة نشر الديمقراطية، بل إن خوري يرى أن الحديث عن الديمقراطية عبارةٌ عن غطاء لغزو العراق، ويقول: "إن لهذا الاتجاه صدًى عالميًّا واسعًا يوضح أنه أجواف، والكل يسخر منه".

 

لكن المرشح المستقل المدعوم من حماس والذي أعيد انتخابه في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة- زياد أبو عمر- يقول إن ما حدث قد حدث بالفعل، ولا يمكن التراجع عنه طالما تم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ويضيف: "ليس من الملائم أن تقول إن الديمقراطية جيدةٌ والانتخابات جيدةٌ ثم لا تستطيع أن تتواءم مع النتيجة النهائية.. لا أعتقد بأنه من الجيد أن تضع الولايات المتحدة شروطًا على الدول التي تختارها كي تدخل في إطار العملية الديمقراطية".