ترجمة- حسين التلاوي
تناولت جريدة (ديلي ستار) الأمريكية في عددها الصادر يوم 2 فبراير 2006م موضوعًا مهمًّا في الحياةِ السياسيةِ المصرية، وهو التمويل الأجنبي للمنظماتِ غير الحكوميةِ العاملة في مجالِ حقوق الإنسان؛ حيث طرحت الجريدة الموضوعَ في تحقيقٍ تناول سببَ لجوءِ المنظماتِ المصرية الحقوقية غير الحكومية للتمويل الخارجي، وهو ما برَّره القائمون على هذه المنظمات بعدم رغبة أيٍّ من المموِّلين المحليين بالتبرع لهم خشيةَ الاصطدام مع الحكومة.
كما تناول التحقيق الاتهامات التي توجَّه إلى هذه المنظمات بعدم الوطنية؛ بدعوى تلقيها أموالاً من الخارج، ومسئولية الإعلام الحكومي عن هذه الصورة بسبب حملته لضرب هذه الجماعات على المستوى الشعبي.
ويشير التحقيق في آخر جزءٍ فيه إلى تناقضٍ تقع فيه الحكومة المصرية، وهو أنَّ المنظماتِ الأجنبية التي تموّل المنظمات الحقوقية غير الحكومية في مصر هي ذات المنظَّمات التي تموِّل الجهات الحكومية وشبه الحكومية التي تعمل في ذات المجال، ومن بينها المجلس القومي لحقوق الإنسان.
والحقيقة أن هذا الموضوع (المجتمع المدني في مصر والمنطقة العربية والأوسطية) من الأهمية بمكانٍ في أجندةِ "دمقرطة" المنطقة العربية والأوسطية والمطروحة من جانب الولايات المتحدة حاليًا، لدرجة أنه أثار أزمةً كبرى في منتدى المستقبل في دورته الثانية التي عُقدت في العاصمةِ البحرينية المنامة قبل أسابيع بين كلٍّ من مصر وعددٍ من البلدان العربية من جهةٍ وبين الولايات المتحدة من جهةٍ أخرى في خصوصِ مسألة التمويل الخارجي للمنظمات المدنية العربية، لدرجة أنَّ المنتدى لم يُصدر بيانًا ختاميًّا لهذه الدورة!
على أهمية هذا الموضوع المرتبط بشكل رئيس بالأوضاع في مصر والشرق الأوسط وملف الإصلاح السياسي في البلدان العربية والشرق أوسطية (وهو موضوع الساعة الآن في المنطقة) فقد ارتأينا تقديمَه في موقع (إخوان أون لاين) خدمةً للقارئ المصري والعربي:
انتقادات غير مبرَّرة للمنظمات غير الحكومية
تُواجه المنظماتُ غير الحكومية المصرية العاملة في مجالِ حقوق الإنسان العديدَ من القيودِ في الفترةِ الحالية، فمع غيابِ أية مصادر محلية للدعم المالي بدأت هذه المنظمات في التوجه نحو المنظمات الأجنبية للحصول على التمويل من أجل تغطية نفقاتها، إلا أنَّ هذا التوجه فتح الباب أمام توجيه تُهم لها تتعلق بعدم الوطنية والتورط في أنشطة مشبوهة.
وخلافًا للمنظماتِ غير الحكومية التي تعمل في المجالِ الخيري فإنَّ المنظمات غير الحكومية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان لا تتمتع إلا بمصادر تمويل داخلية محدودة، ويقول إيهاب سلام- مدير مشروع رابطة حقوق الإنسان لمساعدة السجناء-: "للأسف يُفضِّل المتبرعون المحليون تقديمَ الدعم للمنظمات العاملة في المجالاتِ الخيرية، وهم لا يلحظون أهمية التبرع للمنظمات العاملة في المجالات القانونية"، ويتابع: "إذا طلبت من أي مواطن أن يتبرع لمساعدة السجناء سيتطلَّع إليَّ طويلاً ثم ينصرف".
ويضيف أيمن حنتيش- نائب رئيس جمعية تنمية الديمقراطية- أنَّ تهمةَ العمل ضد الحكومة تعرقل الدعم؛ حيث يخشى رجال الأعمال- الذين يقومون بالتبرع لمنظمات المجتمع المدني- من تقديم أي عون للمنظمات الحقوقية خشيةَ التورط في أنشطة ضد الحكومة؛ حيث إنهم لا يريدون مشاكل معها.
وعلى الرغم من أنَّ كلتا المنظمتَين (مشروع رابطة حقوق الإنسان لمساعدة السجناء وجمعية تنمية الديمقراطية) حاوَلَتا الحصول على تمويلٍ من داخل البلاد منذ أن تأسستا في أوساط التسعينيات.. إلا أنهما فَشِلتا في ذلك.. الأمر الذي دفعهما إلى التوجه نحو الحصول على التمويل الخارجي، وهو ما ساعدهما على مواصلةِ أنشطتهما في المجال الحقوقي، وهي الأنشطة التي يرى الكثيرون أنها أدَّت إلى تنشيطِ الساحة الحقوقية في البلاد.. لكنَّ المفارقة هي أنَّ هذه الأصوات التي تُؤيد نشاطات المنظمتين المدعومتين ماليًّا من الخارج تُهاجم فكرةَ التمويل الأجنبي للمنظمات الحقوقية.
ومن أبرز الهجمات التي تعرَّضت لها المنظمات غير الحكومية العاملة في المجال الحقوقي هي الهجمة التي تعرَّضت لها عندما طلبت المشاركة في مراقبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية اللتين أُقيمتا في العام 2005م؛ حيث استخدمت الحكومة بعض الصحفيين الذين تعتمد أنشطتهم على التمويل الأجنبي في التشكيك بمصداقية هذه المنظمات، وهو ما وصفه نبيل عبد الفتاح- من مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- بقوله: "إنها حملة منظمة لاغتيال ناشطي حقوق الإنسان".
كما تكمن المفارقة في أنَّ العديدَ من المصريين قد لاحظوا أن هذه الانتقادات الحكومية عبارة عن إستراتيجية لتفادي الرقابة على الانتخابات، لكن مع ذلك تجدهم يتبنون ذات وجهة النظر عند الحديث عن المنظمات الحكومية، وهو ما عزا نبيل عبد الفتاح السببَ فيه إلى وسائل الإعلام؛ حيث يقول: "من خلال الأفلام والبرامج التي يقدمها التليفزيون نجد محاولاتٍ للإيعاز بأن التعامل المالي مع الأجانب هو نوع من الخيانة".
أحمد عبد القادر- المحاسب والبالغ من العمر 23 عامًا- يقول: "أي تمويل غربي له شروط، والتعامل مع المنظمات غير الحكومية يجب أن يتم النظر إليه وفق هذه الشروط، فالغرب لن يعطي أموالاً مقابل لا شيء.. إنهم دائمًا ما يطلبون أشياء بالمقابل"، ويضيف: "هل تريد أن تقنعني بأن من يأخذ 2 مليون دولار من منظمة أجنبية إنما يفعل ذلك لصالح الوطن؟! هؤلاء الأشخاص عملاء".
ويسخر أيمن حنتيش من الاتهامات التي توجَّه إلى أعضاء المنظمات غير الحكومية بأنهم جواسيس، ويقول: "تقاريرنا ترصد انتهاكاتٍ يمكن أن يرصدها أي شخص آخر"، ويضيف: "أما ما يقولونه من أننا نساعد الغرب بصورة أو بأخرى فإن هذاء كلام فارغ".
الشرط الوحيد الذي تضعه المنظمات الأجنبية التي تموِّل هذه الأنشطة هو مراقبة كيفية إنفاق الأموال، ويعلِّق إيهاب سلام قائلاً: "المنظَّمات التي تقدِّم لنا الأموال لا تضعَ أيةَ شروط.. هم فقط يرَون المشروع الذي نقدمه ثم يدرسونه من حيث مدى اتفاقه مع الأهداف التي يضعونها وإمكانية تحقيقه، ثم يقررون بعد ذلك ما إذا كانوا سيموِّلونه أم لا!!".
ويقول سلام: "بعد الموافقة تتحول العلاقة بيننا إلى علاقة مالية تمامًا؛ حيث يتم إعداد تقرير شهري عن الكيفية التي يتم بها إنفاق الأموال للتأكد من أنها تُنفَق في الاتجاه الذي تم الاتفاق عليه"، لكن لسوء الحظ وبسبب الظروف التي تمر بها المنطقة حاليًا فقد تكوَّن لدى المصريين شعورٌ من الشكِّ في أن أية مِنَح خارجية ترتبط بإملاءات أجنبية فيما يتعلق بتطوير العملية الديمقراطية.
ويعلق المحلل الإستراتيجي نبيل عبد الفتاح قائلاً: "هذا نوع من العجز عن التفرقة بين الجانبين السياسيين الداخلي والخارجي والذي يعاني منه أغلب المصريين، ومن بينهم بعض المثقفين الذين يلخصون علاقاتنا مع الغرب في التحالف الأمريكي الصهيوني، ويربطون بين الديمقراطية والتدخل الأمريكي في الإقليم".
لكن ما لا يلاحظه الكثيرون هو أن هذه المنظمات "الأجنبية" التي تموّل المنظمات غير الحكومية هي ذات المنظمات التي تقوم بتمويل 75% أو أكثر من أنشطة بعض الجهات الحكومية وشبه الحكومية، مثل المجلس القومي لحقوق المرأة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان اللذين يتلقَّيان تمويلَهما من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وبعض المنظمات الكندية والسويسرية والسفارة اليابانية.
ليس هذا فقط.. بل إنه وفقًا للقانون الجديد الذي ينظم عمل المنظمات غير الحكومية- والصادر في العام 2002م- فإن مسئولية تحديد ما إذا كانت الجهة الأجنبية التي تقوم بالتمويل "مشبوهة" أم لا تقع على الحكومة.
ويقول الناشط الحقوقي إيهاب سلام: "يجب على المسئولين الحكوميين ألا يشكِّكوا في مصادر تمويلنا، فوفقًا للقانون الجديد فإنه إذا لم يكن للجهات الممولة مكتبٌ في مصر فإن الحكومة سوف تقوم بالتأكد من أن المنظمة المانحة ليست جهةً مشبوهةً قبل أن تسمح لنا بقبول المنح".