مع توالي الأزمات في سوريا، بدءًا من رغيف الخبز، ومرورًا بالكهرباء والغاز والمازوت والمواصلات العامة والخاصة، وانتهاءً بأزمات الخدمات الصحية وغيرها، طفت على السطح فئة جديدة من التجار الذين أثرَوا من وراء الأحداث التي تشهدها البلاد، وهم تجار الأزمات.
مع استعار أزمة رغيف الخبز واصطفاف المئات من المواطنين أمام المخابز للحصول على خبز بسعره الرسمي (15 ليرة للربطة الواحدة) ظهر "سماسرة الخبز" فأصبح من المألوف أن تجد طابورًا يمتد لعشرات الأمتار أمام أحد المخابز، فيما يقف أحد الباعة وأمامه عشرات الأكياس من الخبز يبيعها بسعر يتراوح بين 75 إلى 100 ليرة للكيس الواحد، حسب المنطقة التي يقف فيها.
ويؤكد أحد الواقفين في الطابور أنه لا يستطيع شراء الخبز من السوق السوداء؛ لأنه بحاجة إلى ربطتي خبز كل يوم (60 ربطة كل شهر) لتغطية احتياج أسرته المكونة من زوجته وأبنائه الخمسة، مشيرًا الى أنه يسدد 900 ليرة كل شهر مقابل الخبز في حال شرائه من المخبز، لكن تعامله مع تجار الخبز يعني أن عليه سداد مبلغ 6 آلاف ليرة كل شهر، وهو مبلغ لا يستطيع تحمله في ظل الظروف الحالية.
ويتساءل: من أين يحصل تجار السوق السوداء على كل هذه الكميات من الخبز إذا كان المخبز لا يعطي سوى 3 ربطات فقط لكل مواطن؟!
ومع اختفاء أسطوانات الغاز في مختلف المناطق السورية وإغلاق معظم المستودعات بدعوى عدم وجود غاز، دخلت أسطوانة الغاز إلى المزاد في السوق السوداء، وأصبحت مثل البورصة وسوق الذهب كل يوم بسعر مختلف بالطبع أعلى من اليوم السابق.
وعلى الرغم من أن سعر الأسطوانة الرسمي 450 ليرة سورية (حوالي 7 دولارات) فإنها في بورصة السوق السوداء تراوحت بين ألفين وألفين وخمسمائة ليرة تبعًا للمنطقة التي تباع فيها.
لا يمكن لأي سائق سرفيس أو شاحنة في دمشق أن ينسى أيام الأحد والثلاثاء والخميس؛ فهي مواعيد وصول المازوت إلى محطات الوقود الحكومية في نهر عيشة وحاميش ومشروع دمر، وعليهم التسابق لحجز مكان قريب في الطابور تفاديًا لخيبة الأمل بنفاد المازوت بالسعر الرسمي قبل أن يتمكنوا من الحصول على احتياجاتهم.
ولكن من لا يرغب الانتظار لساعات طويلة تحت وطأة خيبة الأمل المحتملة يمكنه التفاوض مع أشخاص ينتشرون قرب محطات الوقود لشرائه بنحو 4 أضعاف السعر الرسمي للتر الواحد؛ هؤلاء هم سماسرة المازوت.
ويطلق عليهم بعض السائقين تجار المازوت؛ حيث أخبرنا أكثر من سائق أن هؤلاء السماسرة أو التجار يبيعون لتر المازوت بين 90 و100 ليرة سورية، في حين أن سعره الرسمي 28 ليرة فقط.
وفي تفاصيل عملية السمسرة قال سائق يعتبر نفسه "زبونًا" مدللاً لأحد التجار؛ حيث يبيعه اللتر بـ70 ليرة. إن التجار يشترون اللتر من محطات الوقود بأسعار تتراوح بين 40 و50 ليرة سورية (ضعف ثمنه الأصلي)، وذلك بالاتفاق مع عمال المحطة، وهم موظفون رسميون يتقاضون رواتب شهرية.
تقاطعت أحاديث السائقين المتعاملين مع هؤلاء السماسرة بأن التاجر يبني علاقة خاصة مع موظفي محطات الوقود، ويتفق معهم على تأمين عشرات من الجالونات ذات السعات الكبيرة (الجالون حوالي 20 لترًا) على أساس أنها لأشخاص ينتظرون دورهم منذ اليوم السابق، وهكذا تصل الجالونات معبأةً بالمازوت للتاجر دون أن يكلف نفسه عناء الانتظار.
ومن ثم تبدأ عمليات السمسرة التي تكون في أغلب الأحيان قرب المحطة، في حين يلتقي الزبائن المدللون في منزله، وحتى مع الأسعار "الفلكية" التي يحددها السماسرة فإنك تحتاج لجهد وأحيانًا واسطة لاستجدائه ببيعك عدة لترات بـ100 ليرة ما دمت من خارج دائرة زبائنه المضمونين، وذلك وفقًا لبعض الزبائن.